تشكل العلاقة بين رئاسة الجمهورية، ممثلة بالرئيس جوزاف عون، وقيادة “حزب الله”، المختبر الحقيقي لفهم أزمة الحكم والسيادة في لبنان. هي علاقة لم تكن يوماً مجرد تحالف سياسي عابر، بل كانت منذ انطلاقتها قائمة على توازنات دقيقة بين منطق “الدولة” ومنطق “المحور”.
إلا أن المسار الطويل لهذه العلاقة شهد تحولات دراماتيكية، بدأت بالتناغم التكتيكي، ومرت بالاشتباك السيادي، ووصلت مؤخراً إلى مرحلة الافتراءات الممنهجة، قبل أن يطل لقاء النائب محمد رعد بعبدا كمحاولة لـ “تبريد” صفيح ساخن، لا يبدو أن ناره ستخمد قريباً.
جذور العلاقة ومخاض التحول
في البدايات، قامت العلاقة على أسس “تفاهمات الضرورة” التي فرضتها ملفات مكافحة الإرهاب وحماية الحدود. في تلك المرحلة، وفرت بعبدا غطاءً رسمياً لمفهوم المقاومة، بينما منح الحزب دعمه للعهد في معارك السلطة والتمثيل.
إقرأ أيضا: إطلالات الشيخ نعيم قاسم وتناغمها مع الموقف الكلامي الإسرائيلي
لكن هذا التناغم لم يدم طويلاً أمام استحقاق بناء الدولة؛ فما أن بدأت القضايا السيادية الكبرى تطرح نفسها، حتى بدأ الشرخ يتسع. كان الرئيس جوزاف عون يدرك أن استعادة هيبة الدولة لا يمكن أن تتم في ظل “ازدواجية السلاح” التي ترهن قرار الحرب والسلم لجهات خارجة عن المؤسسات الدستورية.
أمام صمود بعبدا في مواقفها، انتقل “حزب الله” من العتاب السياسي إلى الهجوم الممنهج. شهدت الأشهر الماضية موجة من الافتراءات التي لم تسبق لها مثيل ضد مقام الرئاسة
هذا الإدراك لم يكن مجرد موقف نظري، بل ترجمه الرئيس في ممارسته التي بدأت تبتعد تدريجياً عن فكرة “الإسناد المطلق” للمحور الإقليمي الذي يمثله الحزب، متجهاً نحو “لبنان أولاً”.
أسباب التوتر: عندما تصدم السيادة بالمصالح الإقليمية
تعددت أسباب التوتر، لكن جوهرها ظل واحداً: “لمن الكلمة الفصل في مصير لبنان؟”. بدأت نقطة التحول الكبرى مع تمسك الرئيس عون بضرورة تحييد لبنان عن صراعات المنطقة، ورفضه أن تكون الساحة اللبنانية مجرد “صندوق بريد” لتبادل الرسائل بين طهران وواشنطن.
“الاغتيال المعنوي” للموقف الرئاسي كان يهدف إلى عزل بعبدا وتجريدها من قدرتها على المناورة، وفرض واقع سياسي جديد يجعل من الحزب المرجعية الوحيدة لتقرير مصير البلاد
زاد الطين بلة في ملفات ترسيم الحدود والمفاوضات الدولية، حيث أظهرت الرئاسة حزماً في إدارة الملف بعيداً عن منطق “الاستقواء بالخارج” أو “فرض الأجندات العسكرية” على طاولة الدبلوماسية. بالنسبة للحزب، كان هذا التوجه بمثابة خروج عن “النص المتفق عليه”، وبداية لاستشعار خطر حقيقي من وجود رأس للدولة يرفض أن يكون مجرد “شاهد زور” على اضمحلال السيادة.
مرحلة الافتراءات: اغتيال الموقف بالسياسة
أمام صمود بعبدا في مواقفها، انتقل “حزب الله” من العتاب السياسي إلى الهجوم الممنهج. شهدت الأشهر الماضية موجة من الافتراءات التي لم تسبق لها مثيل ضد مقام الرئاسة. سُوقت اتهامات للرئيس عون بالتبعية للقوى الغربية، وصُوّرت مواقفه السيادية على أنها “انقلاب” على ثوابت وطنية، في محاولة واضحة لكسر هيبته أمام جمهوره أولاً، وأمام المجتمع الدولي ثانياً.
هذا “الاغتيال المعنوي” للموقف الرئاسي كان يهدف إلى عزل بعبدا وتجريدها من قدرتها على المناورة، وفرض واقع سياسي جديد يجعل من الحزب المرجعية الوحيدة لتقرير مصير البلاد. واللافت أن هذه الحملة ترافقت مع قطيعة رسمية جافة، تخللها خطاب تحريضي في الأوساط الشعبية، مما عمّق الفجوة بين تطلعات الدولة وأجندة التنظيم.
كواليس لقاء رعد وعون: كسر الجليد أم انحناءة للعاصفة؟
يأتي لقاء النائب محمد رعد بالرئيس جوزاف عون ليمثل انعطافة تكتيكية فرضتها ظروف الإقليم أكثر من قناعات الداخل. ففي الكواليس، يدرك الحزب أن تصعيده ضد الرئاسة قد وصل إلى طريق مسدود، بل وأدى إلى نتائج عكسية زادت من تكاتف القوى السيادية حول بعبدا.
إقرأ أيضا: المشروع الإيراني وصل إلى حائط مسدود.. علي الأمين: السلاح لم يعد يحمي.. و«الحزب» يبيع «أوهام الردع» فوق ركام الجنوب
لذا، كانت زيارة رعد بمثابة “انحناءة مؤقتة” للعاصفة. رعد الذي حضر ببيان مكتوب بدقة، حاول أن يظهر بصورة “المسؤول الهادئ”، في محاولة لغسل تداعيات الافتراءات السابقة. لكن المطلعين على جو اللقاء يؤكدون أن الرئيس عون لم يمنح الحزب “صك براءة”، بل استقبل رعد من موقع القوة، متمسكاً بالثوابت التي أدت إلى الخلاف أصلاً: السيادة، قرار السلم والحرب، ورفض الحروب بالوكالة. هذا اللقاء، وإن نجح في “كسر الجليد” الشكلي، إلا أنه لم يردم هوة الخلاف الجذري، بل كان مجرد “هدنة تقنية” يحتاجها الحزب ليحمي ظهره في ظل الترقب الشديد لما ستسفر عنه المفاوضات الإيرانية-الأمريكية.
آفاق المستقبل: إلى أين تتجه العلاقة؟
إن السؤال الجوهري اليوم هو: هل يمكن لهذه العلاقة أن تعود إلى مجاريها؟ المؤشرات تؤكد أن العودة إلى “شهر العسل” باتت مستحيلة. نحن أمام مرحلة جديدة يمكن تسميتها بـ “تنظيم الاشتباك”. ستحاول بعبدا الاستمرار في دورها كصمام أمان للسيادة اللبنانية، مستندة إلى الدعم الشعبي والدولي لمواقفها، بينما سيحاول الحزب ممارسة سياسة “الاحتواء” وتجنب الصدام المباشر بانتظار تبدل الموازين الإقليمية.
كانت زيارة رعد بمثابة “انحناءة مؤقتة” للعاصفة. رعد الذي حضر ببيان مكتوب بدقة، حاول أن يظهر بصورة “المسؤول الهادئ”، في محاولة لغسل تداعيات الافتراءات السابقة. لكن المطلعين على جو اللقاء يؤكدون أن الرئيس عون لم يمنح الحزب “صك براءة”، بل استقبل رعد من موقع القوة، متمسكاً بالثوابت
العلاقة في المستقبل ستكون محكومة بمدى قدرة الدولة على فرض منطق المؤسسات؛ فإذا ما فشلت التسويات الكبرى وقرر الحزب جر لبنان إلى مغامرة “انتحارية” إسناداً للمحور، فإن اللقاءات الودية والبيانات المكتوبة لن تحجب حقيقة الصدام الحتمي بين من يريد لبنان “وطناً نهائياً” وبين من يريده “ساحة مفتوحة”. باختصار، لقاء رعد وعون كان مجرد “استراحة محارب” في صراع وجودي على هوية لبنان السيادية.

