بين مسقط وبعبدا: لبنان على تقاطع التسويات..من السجناء السوريين إلى اختبار الانتخابات وحصرية السلاح

في يوم سياسي مزدحم بالإشارات المتقاطعة، بدا لبنان وكأنه يتحرّك على أكثر من خط في آن واحد: اتفاق قضائي مع دمشق، تأكيد رسمي على موعد الانتخابات النيابية، لقاء رئاسي مع “حزب الله”، وانطلاق مفاوضات أميركية – إيرانية في مسقط. مشهد مركّب يعكس محاولة الدولة التقاط فرص ضيّقة وسط عاصفة إقليمية مفتوحة.

اتفاق السجناء: خطوة عملية أم بداية إعادة التموضع؟

توقيع اتفاقية نقل المحكومين بين لبنان وسوريا في السرايا الحكومية، بحضور رئيس الحكومة نواف سلام ووزير العدل السوري مظهر الويس، شكّل اختراقًا تقنيًا في ملف شائك طال إهماله. الاتفاق يشمل نحو 300 محكوم سوري، ويمهّد لمعالجة أوسع لملف الموقوفين غير المشمولين، وفق خطة زمنية قيد الإعداد.

في الظاهر، الهدف واضح: تخفيف الاكتظاظ في السجون اللبنانية وإعادة المحكومين إلى بلدهم. لكن في العمق، يحمل الاتفاق دلالة سياسية أوسع، إذ يعكس مسعى متبادل لإعادة تطبيع قنوات التواصل بين بيروت ودمشق، تحت عنوان “الندية والاحترام المتبادل”، كما وصفه نائب رئيس الحكومة طارق متري.

وتكتسب الخطوة وزنًا إضافيًا مع إعلان الحكومة نجاحها في تسهيل عودة نحو 510 آلاف نازح سوري خلال عام، ما يوحي بأن ملف النزوح بات جزءًا من مقاربة لبنانية – سورية أكثر تنسيقًا، بدفع دولي وإقليمي، وبمساهمة قطرية في إعادة تأهيل مناطق شمال سوريا.

الانتخابات: قرار سياسي قبل أن يكون إجراءً تقنيًا

بالتوازي، حسم رئيس مجلس النواب نبيه برّي الجدل: الانتخابات النيابية ستُجرى في موعدها، والقانون لن يُعدّل. موقف قطعي يضع حدًا لمحاولات فتح الباب على تغييرات متأخرة، ويعيد الكرة إلى ملعب الحكومة.

وزير الداخلية أحمد الحجار ذهب أبعد، معتبرًا أن القرار السياسي هو الأساس، وأن التفاصيل التقنية – من البطاقة الممغنطة إلى الإجراءات اللوجستية – لا يمكن أن تكون ذريعة لتعطيل الاستحقاق. استحضاره تجربة انتخابات 1992 لم يكن عابرًا: الشرعية، كما قال، تُستمد من صناديق الاقتراع، مهما كثرت التحفظات.

لكن خلف هذا الحزم، يبرز سؤال أكبر: هل تُجرى الانتخابات في مناخ طبيعي، أم في ظل احتقان سياسي وأمني، وغياب رؤية واضحة لمستقبل السلاح ودور الدولة؟

مسقط: المفاوضات الكبرى تلقي بظلّها على بيروت

انتهت الجمعة الجولة الأولى من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة الأميركية في العاصمة العُمانية مسقط، بعد مدّ وجزر بين الطرفين وتهديدات كادت أن تطيّر الجلسة.

وفيما كانت جلسة اليوم «بداية جيدة» حسبما اعلن عراقجي وزير الخارجية الايراني، إلا أنها أمامها تحديات كبيرة بسبب «الثقة المفقودة» بين الطرفين، بعد حرب الـ12 يوما في حزيران الفائت.

إيران تريد حصر البحث بالملف النووي، فيما تسعى الولايات المتحدة إلى توسيعه ليشمل الصواريخ والوكلاء في المنطقة.

هذا المسار لا ينفصل عن الواقع اللبناني. أي تفاهم – أو تصعيد – سينعكس مباشرة على الداخل، من ملف السلاح إلى الاستقرار الأمني والانتخابات المقبلة.

لبنان اليوم ليس صانع تسوية، بل ساحة اختبار لتوازنات أكبر. يتحرّك بخطوات جزئية: اتفاق سجناء هنا، تأكيد انتخابات هناك، لقاءات تهدئة في بعبدا، فيما القرار الحقيقي لا يزال معلّقًا على طاولات التفاوض الإقليمي.

وسط ذلك كله، تبدو الدولة كمن يدير الوقت أكثر مما يدير الحلول — بانتظار أن تتضح صورة مسقط، وحدود ما يمكن انتزاعه قبل أن تفرض الوقائع نفسها من جديد.

السابق
جولة أولى من المفاوضات «الجيدة» بين إيران وأميركا في عُمان.. الثقة لم تترمم و«العواصم» تدخل المشاورات 
التالي
وفيق صفا: نهاية دور رئيس وحدة «الارتباط والتنسيق» وتعيين حسين العبدلله مكانه