بعد الزيارة التي قام بها رئيس كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب محمد رعد إلى قصر بعبدا ولقائه فخامة رئيس الجمهورية، صدرت مواقف تحمل في مضمونها إشارات واضحة إلى دور الدولة ومسؤوليتها في حماية السيادة واللبنانيين جميعًا. فقد تحدّث رعد عن أهمية الوحدة الوطنية، وعن الحوار والتنسيق بين القوى السياسية، وعن تولّي الدولة مسؤولية حماية السيادة ومساندتها عند الاقتضاء، إضافة إلى التأكيد على التعاون لمعالجة الملفات العالقة.
من حيث المبدأ، يعكس هذا الكلام إقرارًا بدور الدولة كمرجعية أساسية، وبأن الحماية ليست شأنًا فئويًا أو خاصًا، بل مسؤولية عامة يجب أن تضطلع بها المؤسسات الشرعية. وهو خطاب ينسجم نظريًا مع مفهوم الدولة الحديثة، القائمة على القانون وعلى احتكارها لقرار الحماية والسيادة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد هذه التصريحات هو: إذا كان هناك توافق معلن على هذا الدور، لماذا لا ينعكس عمليًا على أرض الواقع؟ ولماذا يبقى هذا الموقف في إطار الكلام السياسي من دون ترجمة فعلية تعزّز ثقة اللبنانيين بدولتهم؟
تصريحات متناقضة
التجربة اللبنانية مليئة بالتصريحات التي تؤكد مركزية الدولة، لكنها في المقابل مليئة أيضًا بالتناقض بين الخطاب والممارسة. فالانتقال من الاعتراف بدور الدولة إلى تمكينها فعليًا من أداء هذا الدور يتطلّب قرارات واضحة، وإجراءات ملموسة، وإرادة سياسية جامعة، لا تكتفي بالتأكيد اللفظي عند كل استحقاق.
كلام محمد رعد بعد لقائه رئيس الجمهورية يفتح بابًا للنقاش الهادئ حول هذا التناقض القائم. فالدولة لا تُقاس بحجم التوافق النظري عليها، بل بقدرتها العملية على بسط سلطتها، وفرض القانون، وتوفير الحماية المتساوية لجميع المواطنين، من دون استثناء أو ازدواجية.
من هنا، يبقى التحدي الحقيقي هو في الإجابة عن سؤال التطبيق. فإذا كان الجميع متفقًا على الدولة في الكلام، فإن اللبنانيين ينتظرون رؤية هذا الاتفاق مترجمًا فعلًا، لأن ما ينقص لبنان اليوم ليس المواقف، بل انسجام القول مع الفعل.

