في خطوة دبلوماسية رفيعة تعكس الثقل الفرنسي في الملف اللبناني، استقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه، اليوم الجمعة، رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام.
وتأتي هذه القمة استكمالاً لزيارة سلام الصيفية، ولترسيخ مظلة الحماية الدولية للبنان في ظل التحديات الميدانية والسياسية الراهنة.
1. ثوابت الإليزيه: وقف إطلاق النار وحصرية السلاح
أكدت مصادر الإليزيه أن المباحثات تركزت على ضرورة الانتقال من حالة “وقف الأعمال العدائية” إلى الالتزام الكامل والدائم بوقف إطلاق النار. وبحسب بيان الرئاسة الفرنسية، شدد ماكرون على أن استقرار لبنان المستدام يمر عبر تنفيذ “خطة سيادية” متكاملة تهدف إلى:
- حصر السلاح: الدفع نحو جعل السلاح في عهدة الدولة اللبنانية ومؤسساتها العسكرية فقط.
- بسط السيادة: تعزيز قدرة الدولة على بسط سلطتها على كامل التراب الوطني، بما يتماشى مع القرارات الدولية.
2. الجيش اللبناني: ركيزة مؤتمر 5 آذار
شغل ملف دعم المؤسسة العسكرية حيزاً واسعاً من اللقاء، حيث ينظر المجتمع الدولي إلى الجيش اللبناني باعتباره “صمام الأمان” الوحيد لضمان تنفيذ الاتفاقات الميدانية. وتناول الجانبان التحضيرات الجارية لـ “المؤتمر الدولي لدعم سيادة لبنان”، المزمع عقده في باريس في الخامس من آذار (مارس) المقبل، والذي سيخصص لحشد التمويل والمعدات اللازمة لتمكين الجيش وقوى الأمن الداخلي من القيام بمهامهم السيادية.
3. الإصلاحات الاقتصادية: شرط “النهوض” وإعادة الإعمار
لم يغب الملف الاقتصادي عن طاولة المباحثات، حيث جدد الجانب الفرنسي التأكيد على أن تدفق المساعدات الدولية لعملية “إعادة الإعمار” مرتبط بشكل عضوي بمدى جدية الحكومة اللبنانية في إقرار وتنفيذ القوانين الإصلاحية الأساسية. وبحث سلام مع ماكرون سبل إنعاش الاقتصاد اللبناني وإعادة هيكلة القطاع المالي كخطوة إلزامية لاستعادة الثقة الدولية.
4. حراك دبلوماسي موازٍ: بارو يؤكد الدعم العربي-الدولي
وعلى هامش القمة، كان وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو قد مهد للأجواء بسلسلة لقاءات مع مسؤولين لبنانيين وعرب، مؤكداً أن باريس لن تترك لبنان وحيداً في مواجهة تداعيات الأزمات الإقليمية، سواء في سوريا أو غزة. وأوضح بارو أن فرنسا مستعدة لمواكبة لبنان في مسارين متوازيين: مسار الإصلاح البنيوي ومسار التحضير التقني لمؤتمر إعادة الإعمار.
5. الملفات الإقليمية: التنسيق فوق صفيح ساخن
تطرقت المحادثات أيضاً إلى الغليان الإقليمي، حيث شدد الرئيس ماكرون على أهمية تحييد لبنان عن تداعيات الصراعات في غزة والتحولات الجارية في سوريا، معتبراً أن قوة لبنان تكمن في استعادة دور مؤسساته الرسمية والنأي بنفسه عن المحاور المتصارعة.
وتضع زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى باريس حجر الأساس لمرحلة “ما بعد التوتر”، حيث تبرز فرنسا كقائد للجبهة الدبلوماسية الداعمة للشرعية اللبنانية. ويبدو أن مؤتمر آذار المقبل سيكون المحطة الفاصلة لاختبار مدى قدرة الدولة اللبنانية على تسييل الدعم الفرنسي إلى واقع ملموس يحمي حدودها ويحرك عجلة اقتصادها.

