لماذا سكتت «لجنة الميكانيزم» فجأة؟.. إليك كواليس الترتيبات الأميركية الجديدة

المفاوضات اللبنانية الاسرائيلية
لبنان اليوم أمام سباق بين التصعيد العسكري الذي يتمدد شمال الليطاني، وبين "طبخة" أميركية جديدة قد تُعلن ملامحها خلال زيارة واشنطن. إن "الميكانيزم" المشلول قد يكون الضحية الأولى لولادة إطار تفاوضي مختلف كلياً، يضع لبنان أمام معادلة جديدة: "الأمن الشامل مقابل السيادة المكتملة"

يدخل لبنان في شهر فبراير المقبل نفقاً دبلوماسياً وعسكرياً شديد التعقيد، حيث تتشابك خيوط الداخل بضغوط الخارج في مشهد لم يسبق له مثيل منذ عقود. إن الإعلان عن تجميد اجتماعات لجنة “الميكانيزم” (آلية مراقبة وقف إطلاق النار) حتى الشهر المقبل ليس مجرد عائق تقني ناتج عن غياب جنرال أميركي أو إعفاء موفدة مدنية، بل هو مؤشر صارخ على “قرار دولي” بتعليق العمل بالأدوات القديمة بانتظار ولادة ترتيبات كبرى تلوح في الأفق.

شلل اللجنة: فراغ مقصود أم تمهيد لبديل؟

هذا الشلل المتعمد في عمل اللجنة، الذي أثار استياءً عميقاً في “عين التينة”، يعكس رغبة أميركية – إسرائيلية في تجاوز الصيغ التقنية الهشة التي سادت منذ قرار وقف الأعمال العدائية في نوفمبر الماضي. فبينما يرى الرئيس نبيه بري في هذا التعطيل محاولة لرفع الغطاء عن لبنان وترك الساحة للاستباحة الإسرائيلية، يبرز اتجاه واشنطن نحو تغيير “هوية التفاوض”.

إن استبدال الموفدة مورغان أورتاغوس والبحث عن تمثيل مدني جديد يشير إلى أن لجنة الميكانيزم قد لا تعود بصيغتها العسكرية الصرفة، بل قد تتحول إلى منصة تفاوض سياسي عالي المستوى، يهدف إلى إحياء اتفاقية الهدنة لعام 1949 كبديل قانوني وأمني مستدام.

ضربات شمال الليطاني: التفاوض تحت النار

في موازاة هذا الفراغ الدبلوماسي، يعمد الاحتلال الإسرائيلي إلى تكثيف ضرباته شمال نهر الليطاني، في رسالة واضحة مفادها أن “قواعد الاشتباك” القديمة لم تعد قائمة. هذه الضربات لا تستهدف حزب الله فحسب، بل تهدف إلى وضع الدولة اللبنانية أمام خيارات مرة: إما القبول بترتيبات أمنية جذرية تحاكي نموذج “الجنوب السوري” (إخلاء كامل للسلاح غير الشرعي)، أو البقاء تحت وطأة استنزاف عسكري لا يرحم. إسرائيل تحاول عبر هذه السياسة استغلال شلل “الميكانيزم” لفرض واقع جغرافي جديد، يعيد رسم الحدود الأمنية بعيداً عن مفردات القرار 1701 التقليدية.

زيارة واشنطن: قائد الجيش في “فم العاصفة”

هنا تبرز زيارة قائد الجيش اللبناني، العماد رودولف هيكل، إلى واشنطن مطلع فبراير كـ”قطبة مخفية” وأساسية في هذا الحراك. فبينما تغيب القنوات الدبلوماسية، يبرز قائد الجيش كالمحاور الوحيد الذي يمتلك “رصيداً ميدانياً” (خطة درع الوطن وحصرية السلاح) قادراً على صرفه في أسواق القرار الأميركي.

سيكون العماد هيكل في واشنطن أمام مهمة مزدوجة: الأولى هي الدفاع عن المؤسسة العسكرية كركيزة وحيدة قادرة على بسط السيادة وتطبيق “حصرية السلاح”، والثانية هي استكشاف حجم التنازلات أو الترتيبات التي تطلبها الإدارة الأميركية الجديدة تحت عنوان “إعادة الثقة بالهدنة”. إن توقيت الزيارة الذي يسبق مؤتمر باريس للدعم، وفي ظل تعطل الميكانيزم، يجعل من قائد الجيش “المفاوض الضرورة” الذي قد يُطلب منه تحويل الخطة العسكرية إلى ضمانة سياسية تنهي حالة النزاع المستمر.

لبنان اليوم أمام سباق بين التصعيد العسكري الذي يتمدد شمال الليطاني، وبين “طبخة” أميركية جديدة قد تُعلن ملامحها خلال زيارة واشنطن. إن “الميكانيزم” المشلول قد يكون الضحية الأولى لولادة إطار تفاوضي مختلف كلياً، يضع لبنان أمام معادلة جديدة: “الأمن الشامل مقابل السيادة المكتملة”، وهي معادلة ستحتاج من الدولة اللبنانية، ومن قائد جيشها تحديداً، قدرة عالية على المناورة بين ضغوط الاحتلال ومطالب الحلفاء وشروط الواقع الميداني المتفجر.

السابق
لغز «الميكانيزم»: تجميد تقني أم تمهيد لاتفاقية كبرى؟.. خارطة طريق جديدة للتفاوض برعاية أميركية
التالي
وزارة الزراعة تكشف زيف «مشتقات الحليب» المصنعة بزيوت مهدرجة وتحذر من تناولها