قدم رئيس تحرير موقع “جنوبية” الصحافي والمحلل السياسي علي الأمين، قراءة بانورامية للمشهد اللبناني، تزامناً مع الذكرى الأولى لانتخاب رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون.
تناول الحوار شؤوناً تبدأ من زواريب القرى الحدودية في جنوب الليطاني، وصولاً إلى أروقة القرار في واشنطن وطهران، ورسم ملامح مرحلة يصفها الأمين بأنها “مرحلة تصفية الحسابات الكبرى” مع أوهام القوة الميتافيزيقية التي حكمت المنطقة لعقود.
جنوب الليطاني.. انتشار عسكري في “غابة” الميليشيات
استهل الأمين حديثه بالرد على السؤال المحوري حول نجاح الدولة اللبنانية في بسط سلطتها جنوب نهر الليطاني. ورغم اعترافه بوقوع “انتشار مادي” للجيش اللبناني، إلا أنه وضع هذا الانتشار في مشرحة النقد البنيوي.
السلاح لم يعد صمام أمان، بل صار “عبئاً اقتصادياً وأمنياً واجتماعياً” على كل لبنان، وعلى البيئة الشيعية تحديداً التي تعاني من عوز وفقر غير مسبوقين
واعتبر الأمين أن السؤال الجوهري ليس عن وجود العسكر، بل عن عودة الدولة. مشيرا إلى أن انتشار الجيش بلا هيبة للدولة وبلا سيادة حقيقية على المؤسسات لا يعدو كونه خطوة لوجستية”. وكشف الأمين عن واقع مرير يعيشه أهل الجنوب، حيث يصف الميليشيات بأنها لم تختفِ، بل “لبست قناع الدولة”.
وأضاف: “في الكثير من المراكز الأمنية والعسكرية والادارية، نجد قيادات تأتمر بقرار الثنائية الشيعية أكثر من التزامها بالقانون اللبناني”.
إقرأ أيضا: حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية»: ولاية الفقيه: من الأهداف إلى الأحلام إلى الأوهام.. ثم الخرافات
وأشار إلى أن سيارات تجوب الجنوب بلا لوحات قانونية، إلى “ماتورات” لا يجرؤ أحد على توقيفها، وصولاً إلى ما وصفه بـ “مراكز تزوير بضائع ومنتجات” تعمل تحت حماية نافذة.
وكشف الأمين نقلاً عن أحد العمداء في الجيش اللبناني قوله” نحن نوقف المخلين بالأمن في صور والجنوب، وفي اليوم التالي يخرجون بضغوط سياسية”، مما يثبت أن السطوة الميليشياوية لا تزال هي الحاكمة خلف ستار المؤسسات.
خرافة “الإجماع” وسطوة الترهيب
وفكك الأمين مقولة “الالتفاف الشعبي” حول سلاح حزب الله. وأكد أن هذا السلاح لم يعد صمام أمان، بل صار “عبئاً اقتصادياً وأمنياً واجتماعياً” على كل لبنان، وعلى البيئة الشيعية تحديداً التي تعاني من عوز وفقر غير مسبوقين.
انتشار الجيش بلا هيبة للدولة وبلا سيادة حقيقية على المؤسسات لا يعدو كونه خطوة لوجستية”
وتحدى الأمين حزب الله في إجراء استطلاع رأي نزيه، مؤكداً أن “الغالبية العظمى من الشيعة يريدون الدولة، ويريدون التخلص من هذا السلاح الذي أوقف الحياه، وأوقف الإعمار، وزاد من شحادة الناس”. وعن فوز الحزب في الانتخابات، أوضح الأمين أن هذا الفوز لا يعكس إرادة حرة، بل هو نتاج “مثلث الهيمنة”: السلاح، والمال، والترهيب.
وشرح الأمين آليات السيطرة المباشرة التي يتبعها الحزب: “إذا كتب أحدهم تعليقاً ناقداً على السوشيال ميديا، يتم الاتصال به وتهديده بلقمة عيشه، أو تهديد قريبه الموظف بالطرد، أو تخوينه ووصفه بالعمالة”.
وأكد أن هناك أصواتاً مكتومة في قرى مثل (حولة، وعنقون، ورب ثلاثين) تصرخ ضد هذا الواقع، لكن الحزب يواجهها بمزيد من التضييق، مستغلاً حاجة الناس للمعاشات الضئيلة التي يدفعها لمريديه.
كواليس “الميكانيزم”.. لبنان يقاتل بالدبلوماسية
وأشار الأمين إلى الشق التقني والسياسي المتعلق بلجنة “الميكانيزم” المكلفة بمتابعة ترتيبات ما بعد الحرب. كاشفا عن وجود “معركة دبلوماسية صامتة” يخوضها لبنان ضد محاولات فرض “منطقة عازلة” تحت مسمى “منطقة اقتصادية”.
“الغالبية العظمى من الشيعة يريدون الدولة، ويريدون التخلص من هذا السلاح الذي أوقف الحياه، وأوقف الإعمار، وزاد من شحادة الناس”
وأوضح أن الوفد اللبناني، مدعوماً بموقف حاسم من رئيس الجمهورية، يرفض البحث في أي تفصيل أمني أو سياسي قبل إقرار وتثبيت “حق العودة وإعادة الإعمار” لقرى الشريط الحدودي التي تريد إسرائيل إبقاءها خالية.
وكشف الأمين عن تبدل في المناخ الأمريكي، حيث انتقل المندوبون من التشدد والمطالبة بـ “التفكير خارج الصندوق” (أي القبول بمناطق عازلة) إلى نوع من الليونة بعد اصطدامهم بصلابة الموقف اللبناني الذي يمثله السفير سيمون كرم.
واعتبر أن الرهان على الموقف الأمريكي والدولي ليس “قماراً”، بل هو “الخيار العقلاني الوحيد” المتبقي أمام لبنان، لأن البديل هو “الانتحار العسكري” الذي تروج له قوى لا تملك من أمرها شيئاً.
سقوط “ولاية الفقيه” ونهاية الإسلام السياسي
في المحور الإقليمي، قدم الأمين رؤية تاريخية لما يحدث في إيران، معتبراً أن العالم يشهد “المرحلة النهائية لنظام ولاية الفقيه”. ويرى الأمين أن فشل النظام الإيراني ليس مجرد فشل في تأمين الخبز، بل هو “فشل في الفكرة” التي قامت على تصدير الثورة وبناء نموذج بديل للعالم.
وقال: “الشعب الإيراني كفر بفكرة أن يحكمه شخص يدعي التحدث باسم الله”. وأضاف أن تحويل السياسة إلى فقه ديني (أبيض وأسود، الله والشيطان) هو الذي دمر المنطقة وأنتج الفتنة السنية الشيعية.
وأكد أن الفقه الشيعي التاريخي هو فقه “اعتراضي ونقدي” لم يؤمن يوماً بالدولة الدينية في عصر الغيبة، وأن ما فعله النظام الإيراني هو “تغريب للفكر الشيعي” ومصادرة للحياة العامة.
فشل النظام الإيراني ليس مجرد فشل في تأمين الخبز، بل هو “فشل في الفكرة” التي قامت على تصدير الثورة وبناء نموذج بديل للعالم
ويرى الأمين أن النظام الإيراني الذي وعد شعبه بالإمبراطورية، يواجه اليوم واقعاً مريراً؛ فهو ينكفئ خارجياً، وينهار داخلياً أمام جيل لم يعد يؤمن بشعارات “الموت لأمريكا” بينما هو يموت من الجوع والتهميش.
لبنان.. “صاعق تفجير” أم دولة مستقلة؟
وحذر الأمين من خطورة تحويل لبنان إلى “ساحة بريد” لخدمة المصالح الإيرانية. وتحدث عن مخاوف حقيقية من أن تطلب طهران من حزب الله شن “حرب إسناد انتحارية” فوق أنقاض القرى الجنوبية لتخفيف الضغط عنها إذا تعرضت لضربة أمريكية.
وأكد الأمين أن “ساعة الصفر” للصواريخ الموجودة في لبنان تُحدد في طهران، وليس في بيروت، وهذا هو لبّ المشكلة السيادية. وتساءل: “كيف يمكن لرئيس حكومة أو جمهوريه أن يفاوض العالم وهو لا يملك قرار الحرب والسلم؟”. واعتبر أن الحديث عن “قواعد الاشتباك” صار خلف الظهر، وأن لبنان بات مكشوفاً أمام عدو إسرائيلي يستغل هذه الفوضى لفرض شروطه.
الموفدون الدوليون ومستقبل الجيش
ومع ترقب وصول موفدين دوليين (فرنسيين وسعوديين)، يرى الأمين أن المهمة الأساسية هي “دعم الجيش اللبناني” بصفته الخيار الوحيد لإنقاذ ما تبقى من كيان الدولة.
إقرأ أيضا: حزب الله بين «البيانات المليونية» و«حرب الإسناد» الانتحارية: هل تطلق طهران «ساعة الصفر» من جنوب لبنان؟
وأشار إلى أن العالم يريد التعامل مع “دولة صاحبة قرار”، وليس مع “مجموعة أمنية” تتحكم بمصير شعب كامل.
خيار “القوة المسلحة” خارج إطار الدولة أثبت فشله الذريع وأوصل الشيعة واللبنانيين إلى كارثة وجودية
واعتبر أن الموقف الفرنسي، رغم محاولاته التمايز، يظل في النهاية منضوياً تحت المظلة الأمريكية التي تمسك بمفاتيح الحل والربط في ملف “الميكانيزم” والترتيبات الحدودية.
قوة المنطق لا منطق القوة
ختم الأمين حواره بالتأكيد على ضرورة العودة إلى “خطاب القسم” والعقلانية السياسية. ورأى أن خيار “القوة المسلحة” خارج إطار الدولة أثبت فشله الذريع وأوصل الشيعة واللبنانيين إلى كارثة وجودية.
إن الحل، بحسب الأمين، يكمن في استعادة الدولة لسيادتها الكاملة، وبسط سلطة القانون دون استثناءات ميليشياوية، والالتفاف الشعبي حول مشروع “لبنان أولاً”، بعيداً عن أوهام الإمبراطوريات العابرة للحدود التي لا تورث شعوبها إلا الدمار والفقر.

