«كاهن الـDJ»: معضلات قانونية ودينية وثقافية

غسان صليبي

أجمل ما في قضية الكاهن البرتغالي Padre Gulherme المعروف ب”كاهن الـDJ”، الذي يقوم بدور الـDJ في الحفلات الموسيقية، هو انها أثارت نقاشاً فكرياً على المستويات القانونية والدينية والثقافية. والنقاش الفكري جميل ومرجو وخاصة في بلاد بات العنف يحدد فيها مسار الأمور ومآلها.

النقاش الفكري على المستوى القانوني كان الاقل انتاجاً وحماسة وفائدة. فقد جرى الاكتفاء برصد حكم قاضي الأمور المستعجلة في بيروت الذي قضى بردّ العريضة المقدّمة لمنع إقامة الحفل الموسيقي الذي يديره الكاهن المذكور، والتي تقدّم بها 18 شخصاً بينهم كهنة، معتبرا أن الجهة المستدعية لا تتمتّع بالصفة القانونية اللازمة، كونها لا تمثّل هيئة دينية رسمية، من دون الخوض في أساس القضية أو في مسألة حرية التعبير الفنية.

صحيح أن الحكم سمح بإقامة الحفل لكنه تعامل معه وكأنه حدث ديني وليس مدنياً، وكأن المحكمة محكمة دينية تبت بدعاوى دينية، فهي لم تبت بالدعوة لأن الجهة المستدعية تفتقر إلى الصفة الدينية الرسمية. فهل الحفل الموسيقي حدث ديني ام مدني، حتى ولو أدار انشطته كاهن وتخللته بعض المقتطفات الدينية الكلامية او الموسيقية؟ الحكم لم يستدعِ للأسف نقاشاً قانونياً حول العلاقة بين المدني والديني في قوانين الدولة اللبنانية وقضائها، وحول المعضلة التشريعية في مجال إدارة هذه العلاقة وحسمها.

اذا كان النقاش حول قضية “كاهن الـ DJ” قد اتخذ منحىً حضارياً، من خلال وضع الحضارة الشرقية في مواجهة الحضارة الغربية، على أساس ان هذه الأخيرة تروّج لأفكار ولممارسات ولموسيقى تمس في جوهر التقاليد الشرقية، وفي صلبها العقيدة الدينية المسيحية، فإن ما يغفله هذا النقاش هو الفروقات بين الحضارتين على مستوى النظرة إلى السلطة بشكل عام والسلطة الدينية بشكل خاص

النقاش على المستوى الديني، وعلى عكس المستوى القانوني، كان محتدماً في وسائل التواصل الاجتماعي، واللافت فيه غياب الموقف الكنسي الرسمي الواضح حول الموضوع، رغم ان دعوة الكاهن جاءت بمبادرة من جامعة الكسليك اي من الرهبانية المارونية. ربما كان ذلك ارتباك في الموقف الكنسي الرسمي يعكس تعدد المواقف او تناقضها. وقد يكون هذا الارتباك نتيجة الموقف الايجابي او على الاقل المتسامح مع ظاهرة “كاهن الـDJ” من قبل البابا فرنسيس ومن بعده البابا ليون الرابع عشر.

إقرأ أيضا: السلاح أصبح «عبئًا» على بيئته.. ومشروع «وحدة الساحات» سقط بالضربة القاضية!

لست بوارد الدخول في تفاصيل النقاش الديني الجاري، حول ما اذا كان ما يقوم به الكاهن يتعارض مع العقيدة المسيحية او انه كما يؤكد المدافعون عنه، يقرّب الشباب من الدين المسيحي، خاصة انه ليس في العقيدة المسيحية ما يمنع الاحتفال على انغام الموسيقى حتى الحديثة منها المسماة بالتكنو.

اعتقد بأن خلفية النقاش هو ما يحرّك مضمونه. فإذا كان النقاش يدور حول العقيدة، غير أن ما يشغل البال أكثر، على ما أظن، هو صورة السلطة التي تطبق هذه العقيدة، وواجهتها الأولى الكاهن: فهل يصح ان يمارس كاهن مهنة الـ DJ، الا ينتقص ذلك من موقعه؟ هل يصح ان يتفاعل الكاهن مع الموسيقى كرجل عادي، في ملامح وجهه وفي حركات جسده؟ ماذا يبقى من “هيبة” رجل الدين في هذه الحالة وهل ننتظر بعد ذلك ان تسمع الرعية كلمة الكنيسة؟

النقاش على المستوى الديني، وعلى عكس المستوى القانوني، كان محتدماً في وسائل التواصل الاجتماعي، واللافت فيه غياب الموقف الكنسي الرسمي الواضح حول الموضوع، رغم ان دعوة الكاهن جاءت بمبادرة من جامعة الكسليك اي من الرهبانية المارونية

هذه التساؤلات تحيلنا الى معضلة عضوية في الديانة المسيحية، اعتبرها جينية، وهي ترافقها منذ نشأتها. فكيف تبني المسيحية مؤسسات يقوم تنظيمها على التراتبية، في حين أنها تهدف الى نشر تعاليم يسوع المناقضة للتراتبية: “مَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ فِيكُمْ عَظِيمًا فَلْيَكُنْ لَكُمْ خَادِمًا،” (مت 20: 26)، و”أَمَّا أَنْتُمْ فَلاَ تُدْعَوْا سَيِّدِي، لأَنَّ مُعَلِّمَكُمْ وَاحِدٌ الْمَسِيحُ، وَأَنْتُمْ جَمِيعًا إِخْوَةٌ،” (مت 23: 8)، و”اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ.” (مت 18: 3)، وغيرها من الآيات التي تدعو الى المساواة التامة بين البشر، وتقلب مقاييس السلطة فتجعل الأعظم هو الذي يخدم الآخرين لا الذي يديرهم او يأمرهم، وتشترط العودة إلى منزلة الصغار للدخول في ملكوت السماوات، اي التحرر من خصائص الكبار في مواقعهم ومراتبهم الاجتماعية. يسوع طبّق اقواله بالافعال، من خلال علاقته الطيبة والمتساوية مع الفقراء والمنبوذين وذوي المراتب الدنيا في المجتمع، وصولاً الى تحدّي وانتقاد السلطة الدينية، اي سلطة دينه اليهودي في حينه، مما ادّى الى محاكمته وصلبه.

شهدت الكنائس المسيحية خلال تاريخها تحوّلات في ما يتعلق بتنظيمها وبالنظرة الى السلطة الدينية والى التراتبية الكهنوتية، كما في علاقاتها بالسلطات المدنية ومفهوم السلطة بشكل عام.

الكارثة الكبرى وقعت عندما تبنت الامبراطورية الرومانية المسيحية كديانة رسمية، فتطعّمت الكنيسة بلوثة العنف والسلطة، بأبشع مظاهرها. ومع نشوء البروتستانتية وتشكيكها بشرعية الكنيسة الكاثوليكية كمؤسسة، وكذلك مع الانقسامات بين الكنائس الغربية والكنائس الشرقية، أصبح هاجس السلطة الدينية في اهمية الصراعات حول العقيدة، او في خلفياتها المستورة على أقل تقدير.

لم تتطور النظرة إلى السلطة الدينية في الغرب، وتحديدا الى الكاهن الذي هو الأقرب الى الناس في التراتبية الكنسية، بفعل جهد كنسي داخلي فحسب، بل ترافق ذلك مع تطور ثقافي تمثّل في النظرة إلى السلطة بشكل عام في هذه المجتمعات، في العائلة والمدرسة والمصنع والاحزاب والجمعيات المدنية والدولة، كما في النظرة الى السلطة الدينية بشكل خاص، بعد الثورات العلمانية ضد السلطة الدينية.

إقرأ أيضا: مشروعُ المقاومةِ بينَ الخطأِ في الإدارةِ وحتميّةِ الشراكةِ الوطنيّةِ والعربيّةِ والإسلاميّة

واذا كان النقاش حول قضية “كاهن الـ DJ” قد اتخذ منحىً حضارياً، من خلال وضع الحضارة الشرقية في مواجهة الحضارة الغربية، على أساس ان هذه الأخيرة تروّج لأفكار ولممارسات ولموسيقى تمس في جوهر التقاليد الشرقية، وفي صلبها العقيدة الدينية المسيحية، فإن ما يغفله هذا النقاش هو الفروقات بين الحضارتين على مستوى النظرة إلى السلطة بشكل عام والسلطة الدينية بشكل خاص. مما يفسّر ربما جانبا من الاختلافات بين موقف بابا الفاتيكان الواضح ومعه كنائس غربية والموقف المرتبك للسلطات الكنسية العليا في لبنان حول قضية “كاهن الـ DJ”. وهذه معضلة ثقافية في لبنان، تدعّم اليوم وقد تحلحل بعد زمن، المعضلة الدينية.

المعضلات القانونية والدينية والثقافية في البيئة المسيحية، مؤشرات إيجابية حول استعدادات البيئة للتطور نتيجة التفاعل بين الأحداث والأفكار. فالتطور لا يكون الا من خلال طرح المشكلات بشكل واضح والصراع الديمقراطي من أجل إيجاد الحلول لها.

السابق
الثلوج تشلّ شبكة الطرق الجبلية!
التالي
رجي يفجّر الموقف: حرب «الحزب» كانت قرارًا أحاديًا… والسلاح خارج الدولة بات عبئًا على لبنان