جوزاف عون: «قوة المنطق» في مواجهة «منطق القوة».. خارطة طريق لاستعادة الدولة الناجزة

جوزيف عون
رسالة الرئيس كانت واضحة وصريحة: "آن الأوان لتغليب قوة المنطق على منطق القوة". فالدولة التي تمتلك جيشاً قادراً ومؤسسات دستورية فاعلة، هي الوحيدة المخولة بحماية أبنائها وأرضها.

لم تكن المقابلة التي أجراها رئيس الجمهورية، العماد جوزاف عون، مع “تلفزيون لبنان” بمناسبة انقضاء العام الأول من عهده، مجرد جردة حساب تقليدية لنتائج سنة من الحكم، بل كانت “بيان استقلال ثانٍ” وضع النقاط على الحروف في أكثر الملفات تعقيداً وحساسية.

لقد أطلّ الرئيس كقائد يمتلك الرؤية، وحكم يمتلك التوازن، ورجل دولة يدرك أن “خريطة الطريق” التي رسمها في خطاب القسم ليست مجرد بلاغة إنشائية، بل التزام أخلاقي وسياسي بإنقاذ لبنان من التحلل والانهيار.

من قيادة الجيش إلى قيادة الدولة: تجربة الاستقرار

ارتكز الرئيس في حديثه على إرث صلب من التجربة العسكرية الممتدة لأربعة عقود، وهي التجربة التي صقلت إيمانه بأن الدولة لا تبنى إلا على أعمدة الاستقرار والسلم الأهلي.

لقد نجح العهد في عامه الأول في تحقيق معادلة ذهبية: التوفيق بين مقتضيات السيادة والعمل على استرداد الحقوق، وبين حماية الجبهة الداخلية من الانقسام.

وبوضوح لا يحتمل التأويل، أرسى العماد جوزاف عون قاعدة ذهبية: “السلاح الذي كان يوماً وسيلة ردع، بات اليوم عبئاً على بيئته وعلى الوطن”

هذا النجاح لم يكن “صدفة”، بل نتيجة عمل مؤسساتي مكثف تعكسه لغة الأرقام التي ساقها الرئيس، آلاف المراسيم ومئات القرارات الحكومية التي تؤكد أن الدولة استعادت نبضها، وأن الرئاسة لم تعد “مركزاً شرفياً”، بل محركاً للعمل والإنتاج.

ثورة في مفهوم السيادة: حصرية السلاح هي الحل

لعل الشجاعة السياسية الأبرز في كلام الرئيس تجلت في مقاربة ملف السلاح.

وبوضوح لا يحتمل التأويل، أرسى العماد جوزاف عون قاعدة ذهبية: “السلاح الذي كان يوماً وسيلة ردع، بات اليوم عبئاً على بيئته وعلى الوطن”.

هذا التشخيص الواقعي يسقط الذرائع التي استُخدمت لسنوات لتبرير ازدواجية السلطة.

وبذلك يوجه الرئيس نداءً تاريخياً للقوى المسلحة غير الشرعية، بما فيها حزب الله، داعياً إياها إلى “العقلنة” والعودة الكاملة إلى كنف الدولة.

لقد قدّم الرئيس مقاربة بنيوية حين أشار إلى أن الظروف التي استدعت وجود سلاح خارج إطار الدولة قد “انتفت”

ولم تكن كلمات الرئيس عون حول “حصرية السلاح” مجرد موقف سياسي عابر، بل مثّلت انعطافة استراتيجية في الخطاب الرئاسي اللبناني، حيث نجح الرئيس في نقل النقاش من “الانقسام العمودي” حول شرعية السلاح إلى “الواقعية الوطنية” التي تدرس جدوى السلاح ومآلاته على جسد الدولة المنهك.

تحول الوظيفة: من حماية الأرض إلى استنزاف الدولة

لقد قدّم الرئيس مقاربة بنيوية حين أشار إلى أن الظروف التي استدعت وجود سلاح خارج إطار الدولة قد “انتفت”.

وتنطلق هذه القراءة من مبدأ أن قوة الردع لا يمكن أن تكون مستدامة إذا كانت تعمل في معزل عن الغطاء المؤسساتي للدولة.

وبحكم خبرته كقائد سابق للجيش، يدرك الرئيس أن “فائض القوة” لدى أي فئة، حين لا ينضوي تحت استراتيجية دفاعية تقودها القوى المسلحة الرسمية، يتحول تلقائياً من أداة حماية إلى “عبء استراتيجي”.

لقد قدّم الرئيس مقاربة بنيوية حين أشار إلى أن الظروف التي استدعت وجود سلاح خارج إطار الدولة قد “انتفت”

وهذا العبء لا يقتصر على التبعات الدولية والعقوبات، بل يمتد ليصبح عبئاً على “البيئة الحاضنة” نفسها، التي تجد نفسها في مواجهة مباشرة مع الأزمات دون مظلة أمان وطنية شاملة.

نداء “العقلنة”: الانتقال من منطق القوة إلى قوة المنطق

وخاطب الرئيس الطرف الآخر بلغة “الشريك في الوطن” لا بلغة الخصم، حين دعاهم إلى “العقلنة الدستورية”.

ويكمن جوهر هذه المقاربة في التساؤل الوجودي الذي طرحه الرئيس: “إما أنتم في الدولة عن حق، وإما لستم بها”.

وتلخص هذه العبارة أزمة “الازدواجية” التي تعطل الحياة السياسية في لبنان. فالرئيس يرى أن المشاركة في البرلمان والحكومة تفرض حكماً الخضوع لمنطق الدولة وقوانينها، وأهمها حصر قرار السلم والحرب والتمثيل العسكري بيد المؤسسات الشرعية.

إن “قوة المنطق” التي دعا إليها هي الطريق الوحيد لاستعادة الثقة الدولية والاستقرار الاقتصادي، فلا استثمار ولا ازدهار في ظل وجود منظومات عسكرية موازية تثير قلق الداخل والخارج.

شمولية الحل: السلاح الفلسطيني والمربعات الأمنية

وتميز طرح الرئيس بالشمولية والمساواة أمام القانون، إذ لم يستثنِ السلاح الفلسطيني داخل المخيمات، معتبراً أن بسط سيادة الدولة يجب أن يكون “على كامل التراب اللبناني”.

وتأتي هذه المقاربة لتسحب البساط من تحت من يتهمون العهد باستهداف فئة دون أخرى، وتؤكد أن الهدف هو “السيادة الناجزة” التي لا تقبل القسمة على اثنين.

إن البدء الفعلي بسحب السلاح من بعض المخيمات هو إشارة ميدانية إلى أن “خارطة الطريق” التي تحدث عنها الرئيس بدأت تتحول إلى إجراءات ملموسة، رغم تواضع الإمكانات اللوجستية.

الدولة كبديل وحيد للحماية

لقد أعاد الرئيس الاعتبار لمفهوم “الدولة الراعية”، مؤكداً أن مهمة حماية الأبناء والأرض هي مسؤولية حصرية للجيش والقوى الأمنية.

وتهدف هذه الرؤية إلى تحرير المجتمع اللبناني من “عقدة الخوف” التي تُستخدم غالباً لتبرير التمسك بالسلاح غير الشرعي.

وبكلمات أخرى، يقول الرئيس للبنانيين: “ثقوا بمؤسساتكم، فهي القادرة وحدها على تأمين الحماية دون أثمان سيادية”.

إن مقاربة الرئيس جوزاف عون لقضية السلاح هي مقاربة لا تهدف إلى الصدام، بل إلى “الاحتواء الوطني” تحت سقف الدستور. لقد وضع الرئيس الجميع أمام مسؤولية تاريخية: هل نريد وطناً تحكمه “المربعات الأمنية” والولاءات العابرة للحدود، أم نريد “دولة مؤسسات” يكون فيها السلاح أداة في يد القانون لا فوق القانون؟.

إن الالتفاف حول هذا الطرح هو السبيل الوحيد لتحويل لبنان من ساحة لتصفية الحسابات إلى وطن سيد، مستقل، ومستقر.

رسالة الرئيس كانت واضحة وصريحة: “آن الأوان لتغليب قوة المنطق على منطق القوة”. فالدولة التي تمتلك جيشاً قادراً ومؤسسات دستورية فاعلة، هي الوحيدة المخولة بحماية أبنائها وأرضها.

إن اعتبار السلاح “عبئاً” هو توصيف دقيق للحالة اللبنانية الراهنة، حيث استُنزفت الطاقات الوطنية في صراعات إقليمية لم تجلب للبنان سوى الأزمات، وقد حان الوقت لكي يتحمل الجميع مسؤولية الانضواء تحت راية الشرعية فقط.

الإصلاح من الداخل: سدّ ثغرات الطائف

ولم يكتفِ الرئيس بالملفات السيادية، بل غاص في عمق الأزمة الدستورية، مشيراً بذكاء إلى “الثغرات” في اتفاق الطائف التي تُستخدم أحياناً لتعطيل المرفق العام.

وحديثه عن غياب المهل الزمنية في الاستشارات النيابية أو تشكيل الحكومات، يعكس رغبة حقيقية في تطوير النظام اللبناني ليكون أكثر فاعلية واستجابة لمصالح الناس، بعيداً عن “كيدية” الصلاحيات التي تُستخدم كأدوات للعرقلة لا للبناء.

القرار الوطني اللبناني: سيادة لا مساومة فيها

وفي كشفه لتفاصيل تعيين السفير سيمون كرم رئيساً للجنة التفاوض، قدم الرئيس درساً في السيادة الوطنية. لقد أكد أن القرار كان لبنانياً خالصاً، نابعاً من التوافق بين رؤساء السلطات، وليس إملاءً من الخارج.

هذا هو “العهد القوي” الذي يطمح إليه اللبنانيون؛ عهد لا يخجل من الحوار الدبلوماسي لحماية الحقوق، لكنه يتمسك بزمام المبادرة والقرار المستقل.

رسالة الرئيس كانت واضحة وصريحة: “آن الأوان لتغليب قوة المنطق على منطق القوة”. فالدولة التي تمتلك جيشاً قادراً ومؤسسات دستورية فاعلة، هي الوحيدة المخولة بحماية أبنائها وأرضها

أثبت الرئيس جوزاف عون في هذه المقابلة أنه “رئيس الفعل لا القول”. وقد وضع اللبنانيين أمام مسؤولياتهم، مؤكداً أن الدولة مستعدة للحماية والاحتضان، شريطة أن يتخلى الجميع عن مشاريعهم الخاصة لصالح “مشروع الدولة”.

إنها فرصة تاريخية يقودها رئيس يدرك أن قوة لبنان في وفاقه، وسيادته في وحدة سلاحه، ومستقبله في تحديث مؤسساته. لقد بدأ قطار الإنقاذ مساره، والمطلوب اليوم هو الالتفاف حول هذه الرؤية الوطنية لضمان وصول لبنان إلى بر الأمان.

السابق
بالفيديو: قنبلة صوتية إسرائيلية على سطح منزل في ياطر
التالي
أسرار الصحف المحلية الصادرة يوم الإثنين في 12 كانون الثاني 2026