في تحقيق موسّع أعدّته من بيروت ولندن، كشفت صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية تفاصيل صادمة عن شبكة علاقات غير مشروعة نسجها حزب الله مع النظام الفنزويلي، تعود جذورها إلى عام 2007. ففي ذلك العام، أجرى نيكولاس مادورو، الذي كان حينها وزيرًا للخارجية، زيارة رسمية إلى دمشق التقى خلالها الرئيس السوري بشار الأسد في طريقه إلى طهران.
لكن الصحيفة تؤكد، نقلًا عن ثلاثة مصادر مطّلعة، أن الزيارة أخفت لقاءً سريًا غير معلن جمع مادورو بقيادي بارز في حزب الله داخل أحد فنادق العاصمة السورية، في أول تواصل مباشر معروف بين الطرفين، ما شكّل نقطة انطلاق لتحالف ظلّ بعيدًا عن الأضواء.
من الخطاب السياسي إلى الجريمة المنظمة
بحسب «فايننشال تايمز»، رُوّج رسميًا لهذه اللقاءات على أنها جزء من محور “مناهض لواشنطن”، لكن الواقع كان مختلفًا. فخلف الشعارات السياسية، بدأ حزب الله ببناء شبكة عمليات معقّدة شملت تهريب المخدرات، وتبييض الأموال، والحصول على جوازات سفر وتأشيرات، مستفيدًا من مؤسسات الدولة الفنزويلية وغطائها الدبلوماسي.
وتنقل الصحيفة عن مسؤول استخباراتي أن أنشطة الحزب “توسعت فجأة وبلا قيود”، لتتحول فنزويلا إلى بوابة لوجستية لأنشطة غير مشروعة تمتد من أميركا اللاتينية إلى الشرق الأوسط.
مشروع «كاساندرا»… الأدلة الثقيلة
يعتمد التحقيق على معطيات واسعة جمعها مشروع «كاساندرا» الذي أطلقته إدارة مكافحة المخدرات الأميركية (DEA) عام 2008، والذي يُعدّ من أوسع التحقيقات الجنائية حول الشبكات الدولية لحزب الله.
ويؤكد جاك كيلي، العميل السابق في الـDEA، أن التحقيق كشف حصول عناصر من حزب الله على جوازات سفر فنزويلية، واستخدام شركة الطيران الحكومية «كونفياسا» لنقل شحنات كوكايين وأموال نقدية إلى دمشق، قبل تحويلها لاحقًا إلى شبكات مالية مرتبطة بالحزب في لبنان.
جزيرة مارغريتا… مركز التمويل الخفي
تسلّط «فايننشال تايمز» الضوء على جزيرة مارغريتا، المنطقة الحرة قبالة الساحل الفنزويلي، باعتبارها مركزًا ماليًا أساسيًا لنشاط حزب الله. وبحسب مسؤولين استخباراتيين، استُخدمت الجزيرة لتبييض الأموال واستقبال عناصر الحزب، وسط وجود جالية لبنانية كبيرة وفوضى رقابية.
كما تحدّث مسؤولون أميركيون سابقون عن رصد صور لمقاتلين من حزب الله بلباس عسكري يتدرّبون على أسلحة طويلة في فنزويلا، في مؤشر على تغلغل أمني يتجاوز البعد المالي.
جوازات سفر وحماية سياسية
يشير التحقيق إلى دور شخصيات نافذة في نظام مادورو، أبرزهم طارق العيسمي، في تسهيل منح جوازات سفر ووثائق رسمية لأشخاص مرتبطين بحزب الله. وقد وُجهت إلى العيسمي لاحقًا لوائح اتهام أميركية تتعلق بالفساد والالتفاف على العقوبات.
كما فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على دبلوماسيين فنزويليين، من بينهم غازي نصر الدين، بتهمة استخدام مناصبهم لدعم الحزب ماليًا.
ما بعد مادورو… الشبكة مستمرة
ورغم توقيف مادورو ومثوله أمام القضاء الأميركي بتهم “الإرهاب المرتبط بالمخدرات”، تؤكد «فايننشال تايمز» أن البنية التي استفاد منها حزب الله لا تزال قائمة. فقد كشفت الصحيفة عن معاملات رقمية حديثة مرتبطة بمبيّضي أموال يعملون من فنزويلا لصالح الحزب، ما يعكس قدرة حزب الله على التكيّف مع العقوبات واستغلال الاقتصاد الرقمي.
يخلص تحقيق «فايننشال تايمز» إلى أن حزب الله لم يكن مجرد حليف سياسي لنظام معادٍ لواشنطن، بل فاعل مركزي في شبكة إجرامية دولية استغل دولة كاملة لتحويلها إلى منصة لتمويل أنشطته. شبكة لا تزال، حتى اليوم، تشكّل تحديًا أمنيًا وماليًا عابرًا للحدود، وتكشف الوجه الحقيقي لحزب يقدّم نفسه مقاومة، بينما يمارس أدوارًا أقرب إلى عصابات الجريمة المنظمة على مستوى العالم.

