النبطية مدينة مُحتلّة، لا بالمعنى العسكري الكلاسيكي فقط، بل بالمعنى الأعمق: احتلال للفضاء، للذاكرة، ولشكل الحياة. كانت النبطية مدينةً تجارية نابضة، حلقة وصل بين القرى، مساحة اختلاط لا يشبه أحدها الآخر. مدينة مفتوحة بطبعها، لا تُسأل فيها عن انتمائك قبل أن تُسأل عن حاجتك. تاريخها لم يكن أحادياً ولا مصبوباً في قالب واحد.
اليوم تُختزل قسراً، وبالإكراه نعم، إلى مدينة حزبية من لون واحد، وصوت واحد، وحداد دائم. ليست مدينة الحسين كما يُراد لها أن تُسمّى، ولا مدينة الشهداء، ولا مدينة العلماء. هذه تسميات أيديولوجية تُفرض لتجريدها من اسمها الحقيقي. هي فقط النبطية، بكل ما فيها وما كان يمكن أن تكونه.
ذاكرة مُصادَرة وهوية مفروضة
كانت غنية بمثقفيها، لا بشعاراتهم. ببساطة مبانيها، لا بارتفاع صور القادة. بأزقتها وحاراتها التي كانت تشبه مزيجاً جميلاً من قرية ومزرعة ومدينة، قبل أن تتحول إلى مجمّع هجين، قائم على طقوس الحزن والبكاء كهوية وحيدة.
في النبطية اليوم، حتى الفرح يبدو مريباً. مصطنعاً، سخيفاً، يحتاج إذناً غير معلن كي يُمارَس. لا مسرح، لا سينما، لا مساحة ثقافية حقيقية. الثقافة تُستبدل بالمنبر، والفن باللطميات، والاختلاف بالخيانة.
رقابة المعنى وإقفال الحياة
كل تجمّع يُقام تحت سقف الفكرة ذاتها. كل نشاط مُراقَب بالمعنى وبالنية. التاريخ، الحاضر، والمستقبل يُعاد تدويرهم داخل إطار كربلائي عاشورائي مغلق، لا يترك مكاناً للحياة، بل يقدّس الموت بوصفه الشكل الأسمى للوجود.
الأخطر من كل ذلك، استخدام دماء من سقطوا من أبناء المدينة كدرع أخلاقي، واجهة جاهزة تُشلّ أي محاولة للاعتراض، لأن الاعتراض يُقدَّم فوراً كخيانة للدم، لا كدفاع عن الحياة.
لكن النبطية ليست طقساً. ليست مأتماً دائماً. وليست فكرة حزبية. النبطية مدينة، والمدن تُبنى بالناس، بالأسئلة، بالثقافة، وبحق الفرح… لا بالإكراه، ولا بالحداد الإجباري، ولا باحتكار المعنى.

