قضية «أبو عمر»: هل المطلوب محاكمة قضائية لأشخاص أم محاكمة سياسية لنظام؟

غسان صليبي

تقول الحكاية المتداولة ان المدعو “ابو عمر”، او مصطفى الحسيان الذي يعمل سنكرياً في عكّار، انتحل صفة امير سعودي وهمي بالتنسيق مع الشيخ خلدون عريمط، وكان يتواصل هاتفياً مع زعامات لبنانية وخاصة مع نواب، ويعدهم بتقريبهم من الديوان الملكي السعودي مقابل “مساعدات” مالية يدفعونها لمؤسسة اجتماعية تديرها زوجة الشيخ عريمط، وفي بعض الأحيان كان يطلب منهم الالتزام بموقف سياسي معيّن.

“الوهم هو اعتقاد خاطئ راسخ وغير عقلاني يختلف عن الواقع، أو صورة ذهنية مركبة ليس لها مقابل في الخارج”، فهل يمكن اعتبار قضية “ابو عمر” قضية وهمية؟

حكاية “ابو عمر” سمحت ولو بطريقة فضائحية، بإعلان ما لم يكن سراً، وهو أن مواقف الكثير من النواب ليست نابعة دائماً مما يمليه عليه ضميرهم او إرادة ناخبيهم، وأن الكثير من رجال الدين ليسوا دائماً شخصيات نزيهة وأخلاقية

ليس في حكاية “ابو عمر” ما هو وهمي الا الأمير السعودي، اما ما تبقى من التفاصيل فهي عكس الوهم تماماً، اذ انها تستند الى اعتقاد راسخ وعقلاني جداً في الواقع اللبناني، رسّخته التجربة التاريخية الممتدة على عقود، وهو قدرة الإرادة الخارجية على الفعل بكفاءة عالية في الوسط السياسي اللبناني حتى عبر الأثير ودون الحاجة الى لقاء مباشر او تعارف. مما يجعلنا نردد مراراً ونحن نمزح “إجت التعليمة عالتلفون” او نغني مع زياد الرحباني بثقة عالية “تلفن عيّاش”.

إقرأ أيضا: سرية تامة واستجواب مطول.. إرجاء محاكمة فضل شاكر إلى 12 شباط المقبل ومواجهة مرتقبة مع الأسير

حكاية “ابو عمر” سمحت ولو بطريقة فضائحية، بإعلان ما لم يكن سراً، وهو أن مواقف الكثير من النواب ليست نابعة دائماً مما يمليه عليه ضميرهم او إرادة ناخبيهم، وأن الكثير من رجال الدين ليسوا دائماً شخصيات نزيهة وأخلاقية.

كان يمكن ان يكون “ابو علي” او “ابو جورج” مكان “ابو عمر”، او أن يكون كاهن مكان الشيخ. كما كان يمكن ان يكون مسؤول ايراني او مسؤول اميركي، بدل الامير السعودي، وان تطال الفضائح نوابا شيعة او مسيحيين او دروزا او علويين، وليس نوابا سنة.

خضوع نواب لأوامر جهات خارجية، يجرّد لبنان من ابرز شروط اشتغال الجمهورية البرلمانية التي ينص عليها دستورنا: تمثيل النواب للارادة الحرة للمواطنين واستقلالية مواقف النواب عن الخارج.

كما ان الدور المشبوه لرجل دين حاول أصباغ صفة أخلاقية، على علاقة تبعية- مصلحية بين نواب ودولة خارجية، مستفيداً من “بدل اتعاب” مالية، يذكّرنا باننا في جمهورية طائفية يلعب فيها رجال الدين دور الوسيط غير الحيادي بين المواطنين والسلطة من جهة وبينها وبين الخارج من جهة ثانية.

عندما يعبّر سلوك “ابو عمر” عن حقيقة اشتغال السياسة عندنا، أتساءل اذا كان يحق لدولتنا، وبجميع بمؤسساتها، ان تحاكم “ابو عمر”، بسبب رصده لطريقة عمل هذه السياسة وانخراطه فيها محترماً قواعدها الاساسية؟

خضوع نواب لأوامر جهات خارجية، يجرّد لبنان من ابرز شروط اشتغال الجمهورية البرلمانية التي ينص عليها دستورنا: تمثيل النواب للارادة الحرة للمواطنين واستقلالية مواقف النواب عن الخارج

التهمة الأساسية التي يمكن توجيهها الى “ابو عمر” هي تهمة انتحال صفة امير سعودي وما يترتب عليها، وهذا ما يحتاج الى محاكمة قضائية.

لكن بما ان قضية “ابو عمر” افصحت عن تهمة أخطر وأشنع بحق السلوك السياسي في لبنان، ألسنا نحتاج إلى محاكمة سياسية لنظامنا السياسي بتهمة انتحال صفة الجمهورية البرلمانية؟

ام ان نجاح “الأمير الوهمي” في مهمته نجاحاً باهراً رغم القاء القبض عليه في النهاية، يدل على أن الوهم عندنا قد أصبح كما يعرّفه الطب النفسي ” إضطراب في التفكير لا يتزحزح رغم الأدلة”؟ ولا حاجة للأدلة حول عشعشة الاوهام في عقول اللبنانيين، وآخرها عند من لا يزال يعتقد بإنه انتصر رغم هزيمته النكراء، كما عند من يعتقد انه سينتصر اذا انتصر العدو الإسرائيلي على خصومه في الداخل.

السابق
سرية تامة واستجواب مطول.. إرجاء محاكمة فضل شاكر إلى 12 شباط المقبل ومواجهة مرتقبة مع الأسير
التالي
«مارالاغو» تستعد لاستقبال رضا بهلوي.. هل يطلق ترامب وإيلون ماسك «ستارلينك» فوق إيران؟