فيما بدا جنوب لبنان مجددًا ساحة اختبار للتوازنات الهشة، تزامن المشهد السياسي والأمني مع سلسلة محطات متداخلة تحمل دلالات أبعد من طابعها الظرفي، من اجتماع لجنة “الميكانيزم” العسكري في رأس الناقورة، إلى جلسة حكومية مفصلية حول حصر السلاح شمال الليطاني، مرورًا بزيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت، ووصولًا إلى حراك دبلوماسي سعودي–أوروبي يعيد طرح سؤال السيادة ودور الدولة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
اجتماع الميكانيزم: روتين بلا خرق
انعقدت لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية “الميكانيزم” في رأس الناقورة، لكن الاجتماع هذه المرة اتّسم بطابع روتيني صرف، بعدما اقتصر على التشكيلة العسكرية للجنة في غياب أي تمثيل مدني. وضمّ الاجتماع ممثلين عن الجيشين اللبناني والإسرائيلي، إلى جانب ضباط أميركيين وفرنسيين وقائد “اليونيفيل”، من دون تسجيل أي اختراق نوعي يُذكر.
وفي هذا السياق، كشفت معلومات صحافية أنّ المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس كانت قد أبدت تردّدها أصلًا في حضور اجتماع اليوم، حتى قبل الجدل الإعلامي الذي أُثير حول حياتها الشخصية، معتبرة أنّ هذه الاجتماعات باتت تكرارية ولا تحقق نتائج ملموسة.
وأكدت المصادر أنّ الإدارة الأميركية لم تحسم بعد وضعية أورتاغوس، مشيرة إلى أنّ كل ما ناقشته مع المسؤولين اللبنانيين انحصر بالملف التفاوضي والميكانيزم ودور الجيش، من دون التطرق إلى أي ملفات مالية أو اقتصادية.
جلسة الحكومة: حصر السلاح شمال الليطاني
الأنظار تتجه إلى جلسة مجلس الوزراء التي ستُعقد بحضور قائد الجيش العماد رودولف هيكل (قد لا يحضر هيكل بسبب وفاة والدته)، حيث يُتوقّع أن يصدر عنها، مبدئيًا، قرار باستكمال تنفيذ خطة حصر السلاح في المنطقة الواقعة شمال الليطاني وبين الليطاني والأولي. خطوة يُنظر إليها على أنها اختبار حقيقي لقدرة الحكومة على ترجمة شعار «فرض سيادة الدولة» إلى قرار عملي، في ظل انقسام داخلي وضغوط إقليمية متزايدة.
بالتوازي، يعقد “الكابينيت” الإسرائيلي جلسة مخصّصة لبحث ملف حزب الله، ما يرفع منسوب القلق من تزامن القرارين اللبناني والإسرائيلي في يوم واحد، بما يحمله ذلك من رسائل متبادلة واحتمالات تصعيد.
عراقجي في بيروت: السياسة بلبوس اقتصادي
وسط هذه الأجواء المشدودة، يصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت على رأس وفد اقتصادي، في زيارة وصفها بأنها تأتي في “توقيت دقيق”. عراقجي أكد أنّ بلاده تسعى إلى توسيع آفاق التعاون السياسي والاقتصادي مع لبنان، مشددًا على “رسوخ العلاقة مع جميع مكونات الدولة اللبنانية”، ومعبّرًا عن أمله في العودة إلى “علاقة طيبة للغاية”.
وتشمل الزيارة لقاءات رسمية أبرزها اجتماع مع وزير الخارجية يوسف رجي، الذي كان قد أعلن بوضوح أنّ “نزع سلاح حزب الله أولوية حكومية”، وأن الجيش اللبناني قادر على المواجهة عند الحاجة ضمن خطة مرحلية واضحة.
بخاري في السراي: السيادة أولًا
في المقابل، زار السفير السعودي لدى لبنان وليد البخاري رئيس الحكومة نواف سلام في السراي الحكومي، حيث جرى عرض للتطورات السياسية الراهنة والجهود التي تبذلها الحكومة لفرض سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، إضافة إلى مساعي خفض التصعيد في الجنوب. وتُقرأ الزيارة في إطار دعم عربي واضح لمسار الدولة ومؤسساتها، في مواجهة تعدد مراكز القرار.
أوروبا على الخط… ولاكروا يعاين الجنوب
دبلوماسيًا، أعلن الاتحاد الأوروبي أنّ رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا سيزوران لبنان في 9 كانون الثاني، ويلتقيان رئيس الجمهورية جوزاف عون في بيروت، في محطة تحمل أبعادًا سياسية واقتصادية.
أما في ملف الجنوب، فقد استقبل عون وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان-بيار لاكروا، مؤكدًا ترحيب لبنان بأي صيغة دولية تضمن الاستقرار بعد انتهاء مهمة “اليونيفيل” عام 2027، مع الإشارة إلى زيادة عديد الجيش اللبناني. وأكد لاكروا ضرورة التوصل إلى صيغة واضحة خلال الأشهر المقبلة لضمان تطبيق القرار 1701، وسط طرح أفكار تشمل تعزيز دور هيئة مراقبة الهدنة UNTSO.
الميدان يفرض إيقاعه
ميدانيًا، نفذت إسرائيل غارة استهدفت سيارة بين “وادي جيلو” و”جويا”، ما أدى إلى سقوط شهيد وجريح، وفق وزارة الصحة. كما توغلت قوة إسرائيلية فجراً في محيط الخيام، وفخخت مبنى سكنيًا ودمرته بالكامل، بالتوازي مع استهدافات متفرقة في عيتا الشعب. تطورات تؤكد أن الميدان لا يزال عنصر ضغط أساسي على طاولة السياسة.
عون إلى قبرص ورسالة المطار
في سياق آخر، غادر رئيس الجمهورية إلى قبرص للمشاركة في احتفال تسلّمها رئاسة الاتحاد الأوروبي، في زيارة تفتح الباب أمام لقاءات دولية. داخليًا، شدد عون خلال استقباله وفد جهاز أمن المطار على أن ما تحقق من ضبط وتنظيم هو نتيجة “العمل الجماعي”، معتبرًا أن صورة المطار تغيّرت في الداخل والخارج.
ترحيب أميركي بالإصلاحات
ماليًا، رحّبت السفارة الأميركية بالخطوات الإصلاحية التي اتخذتها حكومة نواف سلام، ولا سيما إقرار مشروع قانون الفجوة المالية، معتبرة أنّها تعيد الثقة الدولية بالاقتصاد اللبناني وتفتح الباب أمام التعافي والاستثمارات.
خلاصة المشهد، ان لبنان يقف اليوم عند تقاطع حاسم بين قرار السيادة وضغوط الإقليم. من الميكانيزم إلى الحكومة، ومن طهران إلى الرياض وبروكسل، تتزاحم الرسائل… ويبقى السؤال: هل تنجح الدولة في تحويل هذا الزخم السياسي إلى تثبيت فعلي لسلطتها، أم يبقى الجنوب رهينة الاشتباك المفتوح؟

