القضاء على شفير الانهيار.. إنعدام ثقة وأجواء تحدي

قصر العدل

اتسع الفتق على الراقع في العدلية … وانعدام الثقة وأجواء التحدي إلى ازدياد بين الجسم القضائي من جهة ومجلس القضاء الأعلى ووزير العدل من جهة أخرى.

المشهد القضائي في لبنان يقف على حافة انهيار جديد، هذه المرة من داخل قصور العدل نفسها.
فالغليان الذي يعيشه الجسم القضائي لم يعد مجرّد تململ مكتوم، بل صار كلامًا صريحًا عن انفجار وشيك في علاقة القضاة مع مجلس القضاء الأعلى ووزير العدل، بما يهدد ما تبقّى من صورة القضاء كسلطة مستقلة وملاذ أخير للمواطن.

غليان في أروقة قصور العدل

في أروقة العدليات، من بيروت إلى سائر المحافظات، تسري همسات القضاة عن اقتراب انفجار «أكبر عملية اعتراض في تاريخ العدلية»، في تعبير غير مسبوق عن حجم الاحتقان داخل الجسم القضائي. الممرات نفسها التي تعجّ عادة بملفات الناس وملفات الدولة، باتت تعجّ هذه الأيام بالحديث عن الاستقالات، وعن تعليق العمل، وعن قطيعة كاملة مع مجلس القضاء الأعلى، في مشهد يشي بأن الانفجار لم يعد احتمالًا بعيدًا بل صار احتمالًا يوميًا.

قضاة محاصرون بين الفقر والمهانة

القضاة الذين يُفترض أن يكونوا حماة القانون يجدون أنفسهم اليوم في قلب معادلة مهينة: رواتب منهارة، ظروف عمل بائسة، وانعدام شبه كامل للوسائل اللازمة لإدارة العدالة بحدّها الأدنى. هذا الواقع لم يعد مجرد «شكاوى نقابية»، بل تحوّل إلى شعور عميق بالمهانة المهنية، حيث يرى كثيرون من القضاة أن إفقارهم وإهمال تحسين شروط عملهم يوازي عمليًا ضربًا لهيبة القضاء من الداخل وتجريدًا لهم من أدوات القيام بوظيفتهم الدستورية.

مجلس القضاء الأعلى ووزير العدل يعتمدان لغة البيانات والتهديد

في الجهة المقابلة، لا تأتي الإشارات من فوق على شكل مبادرات تهدئة أو خطط إنقاذ للمرفق القضائي، بل على شكل بيانات إعلامية متتالية تصدر عن وزير العدل ومجلس القضاء الأعلى، تحمل في طيّاتها رسائل تحذير وتهديد مبطن للقضاة. هذه اللغة المتشنجة تزيد الشرخ القائم، إذ تُرسِخ في أذهان كثير من القضاة صورة سلطة إدارية عليا تتعاطى معهم كـ«جسم متمرّد» يجب ضبطه، لا كشركاء في سلطة مستقلة يُفترض أن تحافظ على توازن الدولة ومؤسساتها.

انقسام عمودي داخل العدلية

هكذا تتكرّس داخل العدلية قسمة عمودية حادة: من جهة قضاة مستاؤون إلى حدّ الانفجار، يشعرون أنهم متروكون لمصيرهم، ومن جهة أخرى وزير عدل ومجلس قضاء أعلى يواجهان هذا الغضب بلغة فوقية وخشنة بدل لغة الحوار. الاتساع المتسارع لـ«الفتق على الراقع» بين الطرفين حوّل الحوار إلى تبادل إنذارات، وغذّى مناخًا من انعدام الثقة والريبة المتبادلة، حتى بات «الطلاق» بين القضاة ومجلس القضاء الأعلى واقعًا قائمًا أكثر منه مجرّد احتمال.

رئيس مجلس القضاء الأعلى بين الاستباق والحسابات

في قلب هذه المعادلة، يتحرك رئيس مجلس القضاء الأعلى في اتجاه رئاسة الجمهورية، في جولات يُقرأ فيها أنها محاولة استباقية لتهيئة موقعه وموقع المجلس لما قد تحمله الأيام المقبلة من انفجار داخل العدلية. هذا السعي إلى استنفار الغطاء السياسي المسبق يثير أسئلة مشروعة: هل الهدف حماية القضاء كمؤسسة، أم حماية المواقع داخل هرم السلطة القضائية في مواجهة الغضب الصاعد من القاعدة؟

الخطر على ما تبقّى من دولة

الخطير في كل ما سبق أن الأزمة لم تعد محصورة بين وزير العدل ومجلس القضاء الأعلى من جهة والقضاة من جهة أخرى، بل صارت تهديدًا مباشرًا لثقة الناس بالقضاء ككل. في بلد تآكلت فيه مؤسسات الدولة واحدة تلو الأخرى، يبدو المسّ بما تبقّى من صدقية السلطة القضائية بمثابة مغامرة خطيرة، تفتح الباب واسعًا أمام العدالة الخاصة والشللية والوساطات، وتدفع المواطنين أكثر نحو اليأس من أي إمكانية للمحاسبة أو الإنصاف.

أيام قادمة صعبة وخطوات فعلية

ما يدور اليوم في قصور العدل ليس مجرّد أزمة مطلبية عابرة يمكن تجاوزها ببعض الوعود أو الترقيعات الإدارية من هنا أو من هناك، بل هو إنذار صريح بانهيار التوازن الداخلي للسلطة القضائية. وإذا استمر التعامل مع غضب القضاة بلغة التهديد والبيانات بدل الإصلاح الحقيقي والحذري والحوار المتعادل الهادف، فإن الانفجار المقبل في العدلية لن يكون حدثًا نقابيًا فحسب، بل محطة سوداء جديدة في سجل انهيار الدولة، سيدفع ثمنها أولًا وأخيرًا لبنان في سمعته والمواطن اللبناني الذي ما زال يقرع أبواب القضاء بحثًا عن حقّ مهدور وعدالة مفقودة.

سوف تشهد العدلية في الأيام القادمة أزمات إضافية تعصف بالقضاء، إذ يتم التحضير على مجموعات الواتسأب بين القضاة لحراكٍ كبير. وقد وصل هذا الأمر جديا الى مسامع مجلس القضاء الاعلى ووزير العدل اللذين اكتفيا بإصدار بيان مشترك بغية محاولة احتواء غضب القضاة او تخويفهم.

إقرأ أيضا: القضاء الأعلى ووزير العدل في بيان مشترك: خطة شاملة لإصلاح قصور العدل وتحذيرات من استغلال مطالب القضاة

تواكب هذه التطورات مساع تهدف الى تفادي عقد جمعية عمومية واستبدالها بتظيم اجتماعات بين مجلس القضاء الاعلى وقضاة المحافظات وذلك في مركز كل محافظة، لتحديد المطالب بشكل دقيق وتفادي الوصول الى اضراب للقضاة يشل العدلية بشكل كامل.

يبدو ان الهوّة تتسع بين القضاة من جهة ومجلس القضاء الاعلى ووزير العدل من جهة ثانية، في حين ييقى كل من رئيس مجلس الشورى ورئيس ديوان المحاسبة على الحياد دون أية مبادرة تذكر في سياق الازمة المتفاقمة للقضاة.

اما في الحلول المطروحة، فيبدو ان لا شيء تم طرحه حتى الآن في ما يزيد عن تحسين العدليات، سوى زودة ثلاثماية دولار شهريا” للقضاة لتفادي تعطيل العمل قبل العطلة القضائية.

هذا هو مشهد القضاء حتى حصول تغيير مرتقب في جلسة لجنة المال والموازنة المقبلة التي من المتوقع ان تحسم مسألة السير بالتحسينات المطلوبة من القضاة.

السابق
رأس سنة عاصف.. قوى الأمن تحذر من سلوك الطرق الجبلية وتتشدد في ملاحقة مطلقي النار
التالي
الصحف الإيرانية: اعتراف رسمي بمشروعية «صرخات الخبز».. و«كيهان» تغرّد خارج السرب وتتهم المحتجين بـ «التخريب الصهيوني»