بين مؤيد ومعارض: قانون الفجوة المالية… حل ناقص أم خطوة إلزامية؟

الحكومة

علق رئيس الحكومة نواف سلام على قانون الفجوة المالية قائلًا: “لن نقبل النقد دون تقديم البدائل”. ووصف القانون بأنه ليس مثاليًا، لكنه “الأفضل الممكن وسيدفع أموال المودعين دون نقصان”. في المقابل، خرجت معلومات من عين التينة تشير إلى رفض الرئيس نبيه بري للقانون، رغم تصويت وزير المالية ياسين جابر لصالحه في جلسة مجلس الوزراء، قبل أن يُحال إلى المجلس النيابي للبت في أمره. تستوضح “جنوبية” حول مضمون القانون والجدال الدائر حياله، ونقاط قوته وضعفه، خصوصًا بعد الانقسام الواضح بين مؤيد ومعارض، ما يضع القانون في قلب النقاش السياسي والاقتصادي الراهن.

نقاط القوة في القانون

يشير الدكتور باتريك مارديني إلى أن أبرز نقاط القوة في قانون الفجوة المالية أنه: “يعالج هذه المشكلة الكبيرة التي تكلف الاقتصاد الوطني أموالًا طائلة. ففي السنوات الست الأخيرة، خسر لبنان 150 مليار دولار بفعل عدم معالجة هذه المسألة، لأن المصارف المالية توقفت عن تقديم القروض للمواطنين، والبلد مخنوق، والشركات لا يمكنها الحصول على قروض لتنمية عملها في التوظيف والتصدير والتصنيع”.

الاستثمارات تعطلت في البلد بفعل غياب القروض، مما أدى إلى خفض الناتج المحلي مما يعني خسارات كارثية على الاقتصاد المالي

ويعتبر مارديني أن الاستثمارات تعطلت في البلد بفعل غياب القروض، مما أدى إلى خفض الناتج المحلي من حوالي 54 مليار دولار قبل الأزمة المالية عام 2019 إلى حوالي 20 مليار دولار اليوم، مما يعني خسارات كارثية على الاقتصاد المالي.

ويلفت مارديني، وهو مدير المعهد اللبناني لدراسات السوق، أن “القانون المطروح يسمح بإيقاف هذه الخسارات، ويدفع بالقطاع المصرفي إلى إعادة تمويل الاقتصاد من جديد والمساهمة في النمو الاقتصادي، كما يسمح بإعادة إطلاق القروض للمواطنين والقروض الاستثمارية”، ويضيف بأن المشكلة اليوم لدى جميع القطاعات هي مشكلة التمويل، وهذا القانون يعيد ضخ التمويلات داخل البلد.

أما نقطة القوة الثانية، والتي يصفها مارديني بأنها “تكتيكية”، فلم يكن هناك قانون يرضي المودعين وأصحاب المصارف وصندوق النقد الدولي. وهذا القانون لا يرضي الأطراف المذكورة بالضرورة، لكنه لا “يزعلهم” بالضرورة، بحيث يقف في منطقة وسطى بين الأطراف الثلاثة، فكل طرف يمكنه أن يجد فوائد لمصلحته ضمن هذا القانون. ويرى: “استحالة طرح قانون ينسجم مع مصلحة الأطراف الثلاثة بشكل كامل ويرضي الجميع بالتساوي حين تكون المسألة متعلقة بتوزيع الخسائر”.

نقاط الضعف في القانون

في المقابل يتحدث الصحافي عماد الشدياق لجنوبية عن نقاط ضعف في القانون، ويعتبر أنّ القانون بشكله الظاهري قد يبدو جيدًا، ولكن هناك عثرات في التفاصيل وفي كيفية تطبيقه. فالتوظيفات الإلزامية التي يفرضها المصرف المركزي على المصارف هي التي ستُسدّ عبرها أموال المودعين، مما يعني عمليًا أن المصرف المركزي سيسدد أموال المودعين من احتياطات المصارف الموضوعة لديه، وبالتالي لن يتكبّد المصرف المركزي أي أموال فعليًا.

من لديهم ودائع تفوق 100 ألف دولار، فسيتم إعطاؤهم سندات بحسب ما يشير الشدياق، واصفًا المسألة بقوله: “سيتم إعطاؤهم أوراقًا لا قيمة لها

أما من لديهم ودائع تفوق 100 ألف دولار، فسيتم إعطاؤهم سندات بحسب ما يشير الشدياق، واصفًا المسألة بقوله: “سيتم إعطاؤهم أوراقًا لا قيمة لها، فما هي المدة المحددة التي سيقبض فيها أصحاب الملايين ودائعهم بالتقسيط المريح؟ وهذا سيستتبع من لا يريد الانتظار لمدة عشرين سنة أن يبيع سنداته بأسعار رخيصة مقارنة بقيمتها الفعلية، تمامًا كما حصل مع الشيك بانكير في السابق”. ويُندرج هذا ضمن ما يسمى “الهيركات المقنع” بحسب الشدياق.

ويرى أن: “هذا القانون ينصّ على ردّ أموال المودعين حتى حدود 100 ألف دولار، موزعة نسبيًا: 60% على مصرف لبنان و40% على المصارف، بمجموع قيمة نحو 20 مليار دولار، مما يعني عمليًا أن 12 مليار دولار سيتكفل بها مصرف لبنان وحوالي 8 مليارات دولار ستتكفل بها المصارف”.

الهيركات

وعن “الهيركات”، يشير مارديني إلى أن القانون سوف يشطب من حصل من المودعين على فوائد مرتفعة بفعل الهندسات المالية، ويترك 2% فوائد فقط، كما يُلزم المصارف التي حققت أرباحًا كبيرة بفعل هذه الهندسات بدفع ضريبة بنسبة 30% على الأرباح. أما المتنفذون الذين استطاعوا تحويل أموالهم إلى الخارج، والذين عملوا بالشيكات المصرفية في حين لم يتمكن كثير من اللبنانيين من إخراج دولار واحد من المصارف، فالقانون يلحظهم ويتعامل مع هذه الأموال بحيث يُلحق بها نوع من أنواع الهيركات. في المقابل، يوضح مارديني أن بقية المودعين “الطبيعيين” سيتلقون أموالهم كاش على مدى أربع سنوات، وجزءًا منها من خلال السندات.

القانون سوف يشطب من حصل من المودعين على فوائد مرتفعة بفعل الهندسات المالية، ويترك 2% فوائد فقط، كما يُلزم المصارف التي حققت أرباحًا كبيرة بفعل هذه الهندسات بدفع ضريبة بنسبة 30% على الأرباح

معركة على السندات

ويرى مارديني أن المعركة كلها تدور حول هذه السندات: هل قيمتها مغطاة بالذهب أم لا؟ ففي حال غطّى الذهب قيمة السندات، يتم رد الأموال للمودعين، أما إذا لم تُغطَّ قيمة السندات بالذهب فلن يتم دفع قيمتها للمودعين. ويشير إلى أن الغموض في القانون يكمن في أنه لم يعالج هذه النقطة، وترك الأمر للمجلس النيابي للبت فيها، وهنا يكمن القرار الحاسم للمجلس النيابي: هل سيكسر قدسية احتياطي الذهب للدولة اللبنانية أم لا؟ وهناك غموض آخر يكتنف موضوع رأسمال المصارف، وهي النقطة الأبرز التي شكّلت مأزقًا في البلد، إذ يدعو صندوق النقد الدولي إلى شطب رأسمال المصارف، بينما تعارض المصارف هذه الخطوة، وقد صيغ القانون بشكل يُفهم منه الأمران سويًا.
صعوبة في التنفيذ!

“الدولة وإلى بعيد المصرف المركزي لا يريدان المشاركة في الحل، بل تحميل المودعين والمصارف كل المسؤولية” بحسب الشدياق، ويحذر من إلحاق الخطر بالقطاع المصرفي، ويقول أن ما تمتلكه المصارف في لبنان لا يتعدى 3 مليارات دولار، بينما حجم الفجوة المالية يقارب 80 مليار دولار. ويرى الشدياق أن هذا القانون سيسبب مشكلة كبيرة عند تنفيذه، ربما ليس الآن، ولكن عند وضعه موضع التطبيق. ويعتبر أن هناك صعوبة كبيرة في أن يمرّ في المجلس النيابي، وفي حال مرّ، فسيفاجأ المعنيون في المستقبل بالورطة التي وضعوا أنفسهم فيها، إذ سيتخلفون عن السداد لأنّ المصارف لا تملك الأموال اللازمة للتغطية.

هل كان بالأمكان طرح قانون أفضل؟

يرى مارديني أن هذا القانون وضع إطارًا عامًا للحل وأرسله إلى المجلس النيابي، أي إنه رمى الكرة في ملعب المجلس النيابي، وهذا كان أفضل إطار ممكن، لكن التفاصيل داخله يجب أن يبتّ بها المجلس النيابي.

ويعتبر مارديني أن الحكومة كانت تسعى إلى تمرير القانون داخل مجلس الوزراء، لأنه من أحد شروط صندوق النقد الدولي إقرار قانون الفجوة المالية في مجلس الوزراء وليس في مجلس النواب. ويذكر مارديني أنه حين طُرح قانون السرية المصرفية كان شرط صندوق النقد الدولي أن يمر في مجلس النواب. وبذلك، في هذه العملية استطاعت الحكومة أن تتماشى مع صندوق النقد الدولي، وهذا يفتح الباب أمام إبرام اتفاقية مع صندوق النقد الدولي قبل الانتخابات النيابية. وهذه نقطة قوة أساسية، إذ إن إقراره يسمح بعقد هذا الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، الذي يعطي إشارة إلى المجتمع الدولي بأن لبنان يسير في إطار الإصلاحات.

الحكومة كانت تسعى إلى تمرير القانون داخل مجلس الوزراء، لأنه من أحد شروط صندوق النقد الدولي إقرار قانون الفجوة المالية في مجلس الوزراء وليس في مجلس النواب

تصفية المصارف!

يشير الشدياق إلى أنه حين يُطلب من المصارف رسملة نفسها، فإن ذلك يعني جلب الاستثمارات إلى المصارف، وهذا متعذّر في الوقت الحالي في لبنان، سيما مع الحرب المستمرة. فلا يمكن لأيّ مستثمر أن يخاطر بأمواله ويستثمر في القطاع المصرفي بملايين الدولارات في مصارف مثقلة بالإلتزامات، وإزاء دولة لا تعترف بمسؤولياتها، وهناك سلاح موازي للدولة هو سلاح حزب الله، إضافة إلى وضع سياسي وأمني قابل للاشتعال في أي لحظة.

حين يُطلب من المصارف رسملة نفسها، فإن ذلك يعني جلب الاستثمارات إلى المصارف، وهذا متعذّر في الوقت الحالي في لبنان

أمام هذا الوضع، يبرز السؤال: هل يجب على الدولة مساعدة القطاع المصرفي أم تفليسه؟ يشير الشدياق إلى أنه في مثل هذه الظروف، هناك بعض المصارف التي من مصلحتها إعلان إفلاسها كحل بديل أفضل من الحل المطروح. ويعتبر الشدياق أن الدولة اللبنانية تفعل ما يريده صندوق النقد الدولي، مشيرًا إلى أن الصندوق لا يريد “مصلحة لبنان بل مصلحته، لأنه يقوم بإقراض الدولة الأموال مقابل ضمانات محددة، في الوقت الذي يعلم الجميع أنه لن تدخل استثمارات إلى البلد، ولا يمكن لأحد تقديم ضمانات لبلد مثل لبنان في وضعه الحالي”.

السابق
منخفض قطبي ثالث شديد التأثير يضرب لبنان… أمطار طوفانية ورياح عاتية وتحذيرات ليلة رأس السنة
التالي
مأساة عائلية في عكار: شاب يُقتل على يد شقيقته وزوجها