روائع نعيم قاسم البلاغية في الفقه السياسي المتناقض

A man reacts while holding a Hezbollah flag (AFP)

في خطابه اليوم، لم يقدّم الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم برنامجًا سياسيًا بقدر ما قدّم نموذجًا لغويًا متكاملًا لكيفية تحويل الدولة من مرجعية إلى متهم، ومن ضرورة إلى احتمال، ومن حق إلى ظرف طارئ.

خطاب لا يرفع الصوت، بل يخفض المعايير، ويقنع المستمع بأن المشكلة ليست في غياب السيادة، بل في الإصرار عليها.

الدولة بوصفها اتهامًا لا مرجعية

لبنان، وفق الرواية المعروضة، ليس دولة مأزومة بقدر ما هو ساحة مستهدفة؛ فأميركا هي من ترعى الفساد، وتتحكّم بالمفاصل، وتدير الاقتصاد منذ عام ٢٠١٩.

فرضية واسعة ومريحة، فهي تفسّر كل شيء دفعة واحدة، وتُعفي الجميع من عناء السؤال الصغير: إذا كانت السيطرة كاملة إلى هذا الحد، فلماذا بقي مفصل واحد فقط خارج السيطرة الدولية، اسمه السلاح؟

السيادة كأداة نفي لا كوظيفة حكم

هنا لا يعود التناقض عيبًا، بل أداة؛ فالدولة، حين تطالب بحصرية السلاح، تُصنَّف فورًا ضمن المشروع الإسرائيلي الأميركي.

أما حين يُترك السلاح خارجها، يصبح ذلك دليلًا على الاستقلال.

هكذا يُعاد تعريف السيادة لا بوصفها احتكار القرار، بل بقدرة جهة واحدة على منعه عن الآخرين.

لبنان، وفق الرواية المعروضة، ليس دولة مأزومة بقدر ما هو ساحة مستهدفة؛ فأميركا هي من ترعى الفساد، وتتحكّم بالمفاصل، وتدير الاقتصاد منذ عام ٢٠١٩.

المفصل التاريخي وإلغاء المنطقة الرمادية

ويبلغ الخطاب ذروة براعته حين يُطرح «المفصل التاريخي»: إما وصاية خارجية كاملة، أو نهوض وطني كامل.

الثنائية مغرية، لكنها تُخفي ما هو أخطر: إلغاء المنطقة الرمادية التي تعيش فيها الدول فعلًا.

فلا دولة بلا مؤسسات، ولا سيادة بلا احتكار مشروع للعنف، لكن في هذا المنطق، الدولة نفسها تتحوّل إلى منطقة رمادية، بينما يُقدَّم السلاح كحقيقة صلبة لا تقبل النقاش.

الدولة المؤجَّلة واستراتيجية ما بعد الشروط

أما استراتيجية الأمن الوطني، فهي فكرة ممتازة لكن مؤجَّلة؛ يُشترط لمناقشتها أن ينفّذ الإسرائيلي كل التزاماته، أن ينسحب، ويوقف، ويفرج، ويعمّر.

عندها فقط، يمكن للدولة أن تجلس على الطاولة لتناقش دورها. سيادة تُمارَس لاحقًا، واستراتيجية تُبحث بعد انتهاء الحرب، ودولة تنتظر اكتمال الشروط ليُسمح لها بالتصرف كدولة.

وفي القسم التأبيني، تُعرض القدوات: مسار أيديولوجي واضح، مرجعيات عابرة للحدود، وانخراط مبكّر في مشروع إقليمي.

لا مشكلة في ذلك من حيث المبدأ، إلا أن السؤال السياسي البارد يفرض نفسه: كيف تُبنى دولة ذات سيادة محلية بمرجعيات سيادية غير محلية؟ وكيف يُقاس الاستقلال حين تكون البوصلة ثابتة خارج الجغرافيا؟

حتى التحية للمسيح، بما تحمله من قيم أخلاقية سامية، تأتي كخاتمة شاعرية لخطاب لا يمنح الأخلاق مساحة تنفيذية. فالأخلاق هنا قيمة لفظية، لا نظام حكم؛ تُستحضر للبركة، لا للبناء.

إدارة الداخل بمنطق الوصاية المقنّعة

في المحصلة، نحن أمام خطاب بالغ الذكاء في إدارة التناقض:

الدولة تُطالَب بالسيادة، شرط ألا تمارسها.

السلاح يُقدَّم كضرورة وطنية، شرط ألا يخضع للوطن.

الوصاية مرفوضة، إلا حين تكون مألوفة.

السؤال السياسي البارد يفرض نفسه: كيف تُبنى دولة ذات سيادة محلية بمرجعيات سيادية غير محلية؟ وكيف يُقاس الاستقلال حين تكون البوصلة ثابتة خارج الجغرافيا؟

ليس هذا خطاب مواجهة مع الخارج، بل إدارة دقيقة للداخل من خلال إبقاء الدولة في موقع الاتهام الدائم، وإبقاء البديل خارج أي مساءلة.

أما لبنان، فيُطلب منه أن يختار بين وصايتين، دون أن يُسمح له بتجربة الخيار الثالث: أن يكون دولة فعلًا.

وهنا تكمن السخرية القاتلة؛ فأخطر ما يهدّد سيادة لبنان ليس العاصفة الخارجية، بل الإصرار على التعامل مع الدولة كفكرة قابلة للتأجيل.

السابق
القوّات تحذّر من «الأخبار المفبركة» التي ينشرها موقع الكتروني لبناني
التالي
السفير الاسعد يضع اكليلاً من الزهور على ضريح المناضل الراحل السيد هاني فحص