أبصر مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد أموال المودعين النور، بعد واحدة من أطول جلسات مجلس الوزراء في عمر الحكومة الحالية، استمرّت أكثر من خمس ساعات متواصلة، وانتهت بإقراره بأكثرية 13 وزيرًا مقابل اعتراض 9 وزراء، في مشهد يعكس حجم الانقسام السياسي والمالي حول أحد أكثر الملفات حساسية منذ الانهيار.
ورغم عبور المشروع عتبة السراي الحكومي، إلا أن الأسئلة الكبرى لم تُحسم بعد: هل يشقّ القانون طريقه بسلاسة في البرلمان؟ أم يسقط في كمين الحسابات الانتخابية والضغوط الشعبية، خصوصًا في ظل تحركات المودعين ورفض قوى سياسية وازنة لمضمونه؟
سلام: القانون ليس مثاليًا… لكنه خطوة على طريق الحقوق
جلسة مجلس الوزراء التي انعقدت صباحًا برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام، في غياب الوزير غسان سلامة، شهدت نقاشًا حادًا قبل أن يُقرّ المشروع بعد الظهر. واعترض على الصيغة وزراء القوات اللبنانية وحزب الله وحركة أمل، باستثناء الوزير ياسين جابر، إضافة إلى الوزير عادل نصار ووزيرة الشباب والرياضة.
بعد الجلسة، حاول سلام تبديد المخاوف، مؤكدًا أن 85 في المئة من المودعين سيحصلون على أموالهم كاملة، وأن السندات المقترحة «ليست وعودًا على ورق» بل مدعومة بنحو 50 مليار دولار من موجودات مصرف لبنان. وشدد على أن الذهب «لن يُباع ولن يُرهن»، وقد جرى تحصينه بنص قانوني يمنع أي استغلال له.
ورأى سلام أن إقرار القانون يفتح باب التفاهم مع صندوق النقد الدولي والدول المانحة، ويمهّد لجذب الاستثمارات في ظل تحسّن اقتصادي «يراهن عليه». وأكد أن المشروع يتضمن للمرة الأولى مساءلة ومحاسبة واستكمال التدقيق الجنائي، نافيًا اتهامه بأنه «عفا الله عمّا مضى»، مع إقراره بأنه غير مثالي لكنه «خطوة منصفة على طريق استعادة الحقوق».
تحفّظات واعتراضات… والأرقام موضع شك
في المقابل، برزت تحفّظات داخل الحكومة نفسها. فقد سجّل وزير الداخلية أحمد الحجار اعتراضه على عدم إدراج مادة خاصة بتعويضات العسكريين المتقاعدين، فيما رأى الوزير بول مرقص أن القانون لا يؤمّن ما يكفي من حقوق المودعين ولا يقدّم رؤية واضحة للنهوض بالقطاع المصرفي.
أما الوزير عادل نصار، فكان أكثر وضوحًا حين أعلن تصويته ضد القانون «لغياب وضوح الأرقام وضمان حقوق المودعين»، ما يعكس الشكوك العميقة التي سترافق المشروع في مساره النيابي.
سجالات سياسية وتهديدات مبطّنة
سياسيًا، تصاعد التوتر مع موقف لعضو تكتل «الجمهورية القوية» النائب جورج عقيص، الذي كشف عن تهديد تلقّاه من «نائب ممانع» بانفجار بيئته بوجه خصومه. وردّ عقيص بلهجة حادة، معتبرًا أن «الانفجار الحقيقي» هو ما يجب أن يقوم به الشعب اللبناني بوجه من يمنعه عن السلام والازدهار، محذرًا من الإفلات المستمر من المساءلة.
غارات إسرائيلية وضغط إقليمي متصاعد
ميدانيًا، شنّ الطيران الإسرائيلي سلسلة غارات استهدفت جرود الهرمل وإقليم التفاح، معلنًا ضرب بنى تحتية لحزب الله، بينها معسكرات تدريب ومستودعات أسلحة. وتزامن ذلك مع حراك إقليمي لافت، تمثّل بزيارة السيناتور الأميركي ليندسي غراهام لتل أبيب، حيث عبّر عن دعمه الصريح لتوجيه ضربة لإيران وحزب الله، في إطار التمهيد السياسي لزيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو إلى واشنطن.
تفجير حمص… الإرهاب يعود إلى الواجهة
أمنيًا أيضًا، خطف تفجير مسجد الإمام علي بن أبي طالب في حي وادي الذهب في حمص الأنظار، بعدما أسفر عن مقتل 8 أشخاص وإصابة 18 آخرين. وبينما رجّحت التحقيقات فرضية التفجير الانتحاري، أعلنت سرايا «أنصار السنة (داعش)» مسؤوليتها عن العملية، ما أعاد ملف الإرهاب إلى واجهة المشهد الإقليمي.
ودان رئيس الجمهورية جوزاف عون الاعتداء بشدة، مؤكدًا تضامن لبنان مع سوريا في حربها ضد الإرهاب، ومحذرًا من خطاب الكراهية والتكفير، معتبرًا أن استقرار سوريا يشكّل مصلحة وطنية واستراتيجية للبنان.
بين قانون مالي شائك، وانقسام سياسي حاد، وتصعيد أمني وإقليمي مفتوح، يدخل لبنان مرحلة دقيقة تُختبر فيها قدرة الدولة على التماسك، وعلى ترجمة الوعود الإصلاحية إلى أفعال قبل أن تسبقها الأزمات.

