العيد تحت النار: غارات إسرائيلية عنيفة على الجنوب.. وحصر السلاح يعود إلى الواجهة

في يوم ميلادٍ يتجدّد فيه الرجاء، رفع اللبنانيون صلواتهم نحو “المخلّص” على أمل أن يحمل العيد معه بداية خلاص فعلي لبلد أنهكته الأزمات والحروب المؤجلة. غير أنّ المسافة بين الرجاء والواقع لا تزال مليئة بالعوائق، إذ لا ينقص لبنان – كما يردّد المسؤولون – سوى تنفيذ القرارات المتخذة لبلوغ شاطئ الأمان. لكن هذه “القرارات” نفسها، من حصر السلاح إلى الإصلاح المالي والسيادي، ما زالت موضع تجاذب داخلي وضغط خارجي متصاعد.

الراعي وحصر السلاح: دولة قوية أو فراغ دائم

في رسائل العيد، بدا موقف البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي أقرب إلى بيان سياسي-أخلاقي، حين شدّد على أنّ “المطلوب دولة قوية تحمي الإنسان بدل أن تتركه وحيدًا”. ربط الراعي بين الإصلاح السيادي والإصلاح الاقتصادي، معتبرًا أن استعادة الثقة وحماية أموال الناس وتأمين الاستقرار المعيشي باتت “ضرورة وجودية”.

كلام الراعي أعاد تثبيت ملف حصر السلاح كمدخل إلزامي لأي نهوض، لا كشعار سيادي مجرد، بل كشرط لإعادة انتظام الدولة ومؤسساتها.

باريس وتل أبيب: السلاح تحت المجهر الدولي

في السياق نفسه، عاد اجتماع باريس الثلاثي (الفرنسي–السعودي–الأميركي)، بحضور قائد الجيش العماد رودولف هيكل، ليؤكد أن حصر السلاح على كامل الأراضي اللبنانية شرط أساسي لتفادي الحرب الإسرائيلية وعقد مؤتمر دعم للجيش.

في المقابل، صعّدت إسرائيل لهجتها. وزير الدفاع الإسرائيلي أعلن مواصلة العمل لنزع سلاح “حزب الله” وإبعاده عن الحدود، فيما كشفت القناة 13 أن بنيامين نتنياهو قد يطلب من الرئيس الأميركي دونالد ترامب “ضوءًا أخضر” لعملية واسعة ضد الحزب. رسائل نارية تتقاطع مع ضغوط دبلوماسية، وتضع لبنان أمام هامش ضيق للمناورة.

تحركات دبلوماسية: فرنسا والسعودية على الخط

دبلوماسيًا، استقبل قائد الجيش السفير الفرنسي هيرفيه ماغرو، في لقاء تناول الأوضاع العامة في لبنان والمنطقة. كما التقى رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون سفير لبنان في فرنسا ربيع الشاعر، وسفير السعودية وليد بخاري، في إطار متابعة الاتصالات وتعزيز العلاقات الثنائية. هذه اللقاءات تعكس رعاية دولية حذرة لمسار الاستقرار، لكنها لا تخفي القلق من الانزلاق الأمني.

العراق والإعمار: دعم مشروط بالاستقرار

في ملف إعادة الإعمار، برز الدور العراقي مجددًا. فقد شكر الرئيس عون بغداد على دعمها المستمر، ولا سيما مبادرة تخصيص 20 مليون دولار لإعادة إعمار ما دمّرته الاعتداءات الإسرائيلية. وأكد الموفد العراقي حسان العوادي أن بلاده ماضية في تنفيذ التزاماتها، مع فتح مكتب خاص في السفارة العراقية ببيروت لمتابعة التنفيذ وتحديد الأولويات، خصوصًا في الجنوب.

غير أن هذا الدعم، وإن كان مرحّبًا به، يبقى محكومًا بسؤال الاستقرار الأمني وقدرة الدولة على الإمساك بزمام القرار.

غارات الجنوب: الإعمار تحت النار

بالتوازي، شنّ الطيران الإسرائيلي غارات على بلدات زفتا تبنا والنميرية، فيما دوّى انفجار ضخم في محيط “تلة الحمامص”، مع تمشيط ناري باتجاه كفرشوبا. إسرائيل برّرت الغارات بأنها استهدفت “مواقع إطلاق” تابعة لحزب الله، في مشهد يعكس التناقض الصارخ بين البحث في الإعمار واستمرار النار على الأرض.

عقد استثنائي: موازنة… وانتخابات؟

داخليًا، وقّع الرئيس عون مرسوم دعوة مجلس النواب إلى عقد استثنائي مطلع 2026، يتصدر جدول أعماله مشروع موازنة 2026. أما الانتخابات النيابية، فتبقى معلّقة على مصير الدائرة 16، في إشارة إلى أن الاستحقاقات الدستورية لا تزال رهينة الحسابات السياسية.

لبنان اليوم يقف عند تقاطع خطير: صلوات العيد ترفع سقف الرجاء، لكن الوقائع تضغط بقسوة. بين حصر السلاح، والإعمار المشروط، والغارات المتواصلة، والعقد الاستثنائي، يبدو أن ولادة الدولة المؤجّلة لا تزال تنتظر قرارًا حاسمًا… قبل أن يسبقها الانفجار.

السابق
مكتب مخزومي ينفي صلته بشخصية «ابو عمر» ويؤكد: حملات تضليل!
التالي
عراقجي ينتقد النهج الأميركي: ما يُطرح ليس تفاوضًا بل إملاءات