أكثر رجال الأسد بطشاً ووحشية: كيف اختفى 55 من رجال النظام… ومن يؤويهم؟

Issam Hallaq, right

توفّر الشقق في فندق «فور سيزونز» في موسكو غرف جلوس تتدلّى فيها ثريات كريستالية، وإطلالات على الكرملين، وإمكانية الاستعانة بخدمة جاهزة لحجز أي شيء، من العروض الافتتاحية لباليه البولشوي إلى الطائرات الخاصة.

وتُعرض هذه الوحدات السكنية، التي يصل سعر الإقامة فيها إلى 13 ألف دولار في الأسبوع، على أنها «مثالية للتجمعات العائلية وحفلات الكوكتيل والفعاليات التجارية»، أو ربما، في حالة بعض أكثر مجرمي الحرب المطلوبين للعدالة في العالم، لتكون بداية من فئة الخمس نجوم لحياة المنفى.

لعقود، عذّب الرئيس السوري بشار الأسد وحلفاؤه مئات آلاف الأشخاص وأخفوهم قسراً. وبقوة الطيران الروسي، خاضوا حرباً استمرت 13 عاماً لقمع انتفاضة شعبية.

لكن في ديسمبر/كانون الأول 2024، دفع هجومٌ خاطفٌ شنّه المتمرّدون، الأسد ودائرته الأقرب إلى الفرار نحو روسيا، حيث أعادوا تجميع صفوفهم في أحد أفخم ضواحي موسكو. وكانت السلطات الروسية تريدهم جميعاً في مكان واحد لأغراض المراقبة الأمنية، وفقاً لشهود ومقرّبين. 

تحقيق ضخم تقصّى 55 من مسؤولي الأسد.. بينهم ماهر المتذمر من «العار» 

شوهد ماهر الأسد (58 عاماً)، شقيق بشار ورئيس قوات الصدمة التي طالما خشيها السوريون، الفرقة الرابعة المدرعة، على يد مسؤول سابق، في صالة الرياضة بالفندق، وهو يتمتم عن «العار». وبينما كانت موائد الإفطار العامرة تمتد أمامهم، راح آخرون يفكّرون في مستقبلهم، بحسب ما رواه ثلاثة من أفراد طاقم مرافقة النظام داخل الفندق.

وقد تمكّن تحقيق لصحيفة «نيويورك تايمز» من تحديد مواقع كثير من كبار الشخصيات الحكومية والعسكرية المرتبطة بأشد فصول تاريخ سوريا الحديث دموية، بما في ذلك علماء طوّروا أسلحة كيميائية ورؤساء أجهزة تجسس متهمون بالتعذيب، وكشف تفاصيل جديدة عن ظروفهم الحالية ومساعيهم الأخيرة.

سعت «نيويورك تايمز» إلى فهم مصير 55 من قادة النظام السابق الذين اختفوا عن الأنظار عندما سقط الأسد من السلطة، ووجدت أن كثيرين منهم يعيشون ببذخ أو يلتزمون الاختباء في عامهم الأول من المنفى، وأن معظمهم تقريباً يبدو أنه أفلت من العدالة.

ونشرت قبلها الصحيفة عن حفلات أعياد ميلاد فاخرة لبنات الأخوين الأسد، زين وشام، في فيلا بموسكو وعلى متن يخت في دبي، وفقاً لأقارب وأصدقاء ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي. 

أين علي مملوك وجميل حسن؟ 

ويقول شخصان مقرّبان إن مسؤول الاستخبارات الأبرز السابق علي مملوك (79 عاماً) يعيش في شقة بموسكو على نفقة روسيا، ويلتزم الابتعاد عن الأنظار، رافضاً استقبال معظم الزائرين.

 أما غسان بلال (59 عاماً)، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد أركان إمبراطورية المخدرات لدى النظام، فهو في موسكو أيضاً، لكنه يدعم نمط عيش مريحاً لعائلته في الخارج، من إسبانيا إلى دبي،بحسب ثلاثة ضباط سابقين زملاء له.

ولم يكن الفرار لدى كثير من أعوان الأسد بهذه الرفاهية. فقد دفعوا رشى لتأمين صعودهم إلى طائرات شحن مكتظّة متجهة إلى موسكو، ثم جرى إسكانهم في مرافق عسكرية. وكان جميل حسن (73 عاماً)، مدير المخابرات الجوية المتهم بقيادة التعذيب المنهجي وإعدام السجناء، من بين هؤلاء، وفقاً لثلاثة أشخاص يقولون إنهم التقوه منذ ذلك الحين.

وتشتّت بعضهم خارج روسيا، إلى الإمارات العربية المتحدة ولبنان. وآخرون لم يغادروا سوريا قط، ويختبئون هناك. 

وفي المقابل، تُرك ضحايا أكثر من خمسة عقود من حكم عائلة الأسد يتساءلون: أين ذهب الأشخاص الذين يقفون خلف بعض أسوأ الفظائع في هذا القرن، وهل سيمثلون يوماً أمام العدالة؟

رحلة التفتيش عن رجال الأسد 

كان الأشخاص الـ55 الذين تقصّت «نيويورك تايمز» رجالاً يملكون نفوذاً هائلاً لكن حضورهم العلني محدود. وكان لديهم عقود لإتقان فن إخفاء هوياتهم بأسماء مستعارة وجوازات سفر مشتراة. وجميعهم يخضعون لعقوبات دولية، ويواجه عدد منهم مذكرات توقيف دولية.

تقول الصحيفة: «لسدّ الفجوات الكثيرة حولهم، فتّشنا فيلات مهجورة تعود للنظام، ونقّبنا في الإنترنت المفتوح، واستشرنا ناشطين ومحامين سوريين يطاردون مضطهديهم السابقين. وأجرينا مقابلات مع جهات إنفاذ قانون دولية ومع شخصيات من النظام السابق. وفي بعض الحالات واجهناهم وجهاً لوجه». 

وتضيف: «حددت جهودنا الاستقصائية أماكن وجود نصف هؤلاء المنفذين الخمسة والخمسين. ولم نعثر إلا على شخص واحد بدا أنه أُوقف. فيما توارى آخرون تماماً، أو تركوا أثراً ضئيلاً». 

وتحدّث معظم من تمت مقابلتهم بشرط عدم الكشف عن هويتهم لأنهم منخرطون في جهود سرّية لملاحقة العدالة أو لأنهم يخشون الانتقام، سواء من شخصيات في النظام السابق أو من أولئك الذين عانوا على أيديهم.

ويقول المحامون والناشطون الذين يعملون للعثور على مرتكبي جرائم حقبة الأسد ومحاسبتهم إنهم يصطدمون بنقص الإرادة السياسية. فالحكومة السورية الجديدة تركّز على ترسيخ السيطرة على البلاد. كما إن بعض الحكومات الأجنبية، بحسب قولهم، مترددة في تسليم حلفاء قدامى أو تفضّل استخدام الفارّين كمصادر معلومات استخباراتية.

تسوّق وسكن على الطراز السوفياتي

بالنسبة لبعض أفراد نخبة النظام، بدت الأشهر الأولى في موسكو أشبه بسياحة في المنفى.

جمال يونس (63 عاماً)، المتهم بإصدار أوامر مباشرة بإطلاق النار على متظاهرين عُزّل، شوهد في مقطع فيديو نُشر على الإنترنت وهو يقود سكوتر حول الملعب الوطني الروسي الرئيسي، ملعب لوجنيكي في موسكو، وقد أكد معارف من بلدته صحة المقطع.

وظهر وزير الدفاع السابق علي عباس (64 عاماً)، ورئيس الأركان السابق عبد الكريم إبراهيم (62 عاماً)،وكلاهما متهم بالتعذيب والعنف الجنسي خلال الانتفاضة السورية، في «يوروبين مول» اللامع ذي الطوابق الثمانية في موسكو، بحسب ما رواه أحد معارفهما القدامى.

أما كفاح ملحم (64 عاماً)، فبحسب شخصين على تواصل معه، يعيش في فيلا كبيرة بموسكو مع صهره غسان إسماعيل (65 عاماً). ويُتهم الجنرالان السابقان في الاستخبارات بالإشراف على تعذيب المتظاهرين واحتجازهم.

وكان ملحم من قلائل المسؤولين الذين تمكنت «نيويورك تايمز» من الوصول إليهم للحصول على تعليق. فقد أرسل رداً مطولاً ينفي فيه اتهامات ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. واعتبر أن أي تجاوزات للنظام كانت تتضاءل مقارنةً بالجرائم التي ارتكبها قادة سوريا الجدد، الذين قادوا في السابق جماعة تابعة لتنظيم القاعدة قبل أن يسلكوا لاحقاً مساراً أكثر اعتدالاً.

وكتب: «هذا ليس عن إخفاء جرائم أو انتهاكات النظام السابق، اذكروا هذه الجرائم بصدق وبإنصاف، لكن هل تعتقدون حقاً أن النظام السابق يمكن مقارنته بالقاعدة؟»، مضيفاً أن حالات التعذيب الجماعي والإعدام الموثّقة في سجون مثل صيدنايا كانت «مفبركة».

وعندما سُئل عن وصف حياته في روسيا، قال ملحم فقط: «نعيش كمواطنين عاديين».

وبالنسبة لأشخاص اعتادوا طويلاً على الامتياز والسلطة، يحمل المنفى الروسي إهاناته الخاصة.

فالمسؤولون الذين كانوا يسكتون خصومهم بوحشية، باتوا هم من يجري إسكاتهم. إذ قالت عدة شخصيات سابقة في النظام وأقارب لهم إن روسيا فرضت حظراً صارماً على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أو التحدث علناً. وأضافوا أن بروتوكولات أمنية صارمة تقيد تحركات كثير من كبار المسؤولين.

ولم ترد السلطات الروسية على أسئلة بشأن مسؤولي الأسد المقيمين في البلاد.

جمال يونس على السكوتر

الجانب الآخر: ضباط مذلولون 

لكن ليست كل الصورة جميلة تماما لجميع المجرمين. هناك أكثر إذلالاً لأكثر من 1200 ضابط سوري عندما هرعوا، وأحياناً دفعوا رشى، للصعود إلى طائرات «إليوشن» المتجهة إلى موسكو من قاعدة روسية على الساحل السوري. وعند الوصول، قال أشخاص تحدّثوا إليهم إن الضباط ملأوا طلبات لجوء مؤقت جعلت كثيرين يشعرون بأن وضعهم في روسيا هشّ.

لم ينل هؤلاء الضباط «معاملة فور سيزونز». فقد أُرسلوا إلى مرافق تعود للحقبة السوفياتية، غالباً بإقامة تشبه المهاجع، تضم ثلاثة إلى أربعة أشخاص في الغرفة الواحدة، بحسب أربعة ضباط سابقين. وتذمروا من الطعام الروسي ومن مواعيد الوجبات المنضبطة.

وبينما جرى جمعهم في المكان نفسه، كانوا أحياناً يصفّون حسابات قديمة.

في حادثة نوقشت على نطاق واسع داخل أحد أماكن الإقامة في موسكو، ضرب بعض الضباط الساخطين آصف الدكر (60 عاماً)، وهو قائد في الشرطة العسكرية متهم بالإشراف على تعذيب سجناء، ويتهمه كثير من مرؤوسيه أيضاً بالابتزاز، وبصقوا عليه. وروى الحادثة الضباط الأربعة السابقون، كما أكدها مساعد لا يزال على تواصل مع الدكر.

وبعد أسابيع من المنفى، قال عدة أشخاص على تواصل مع الضباط إنهم خُيّروا بين خيارين: الخروج والعيش بحرية بأموالهم الخاصة، أو البقاء على إعانات الدولة ليُعاد توزيعهم في أنحاء روسيا. وقيل إن بعض من اختاروا الخيار الثاني انتهى بهم المطاف في أماكن بعيدة حتى سيبيريا.

وقال زملاء من النظام إن كثيراً من كبار القادة تمكنوا من تأمين شقق لهم بأنفسهم، وغالباً كانت فاخرة.

أحد الذين لم يحدث ذلك معهم في البداية كان أوس أصلان (67 عاماً)، وهو لواء يُشتبه في إشرافه على عمليات قتل جماعي وحملات قمع عنيفة ضد المدنيين.وقد أُرسل إلى قازان، على بعد نحو 450 ميلاً شرق موسكو، وفقاً لثلاثة أصدقاء وضابط زميل قالوا إنه أبلغهم أنه لا يملك مدخرات يعتمد عليها.

لكن الحياة المُذلّة المعروضة سرعان ما دفعته، بحسب قولهم، إلى تغيير موقفه، وبعد أشهر عاد أصلان للظهور في شقة بموسكو تُقدّر قيمتها بملايين الدولارات.

وقال أحد أصدقائه في دمشق مازحاً: «حاول أن يلعب دور الفقير. لكنه لم يستطع الاستمرار. الآن يعيش أفضل أيامه».

أوس أصلان

الحياة في الإمارات العربية المتحدة 

وقال عدة مسؤولين من داخل النظام إن الإمارات العربية المتحدة كانت ملاذهم المفضل، بسبب اللغة العربية المشتركة والطقس الدافئ ونمط الحياة الراقي.

وكان كثير من كبار المسؤولين السوريين على علاقة جيدة بالقيادة هناك، التي أبدت استعداداً لاستضافة بعضهم، لكن بشروط.

وبحسب مسؤولين سوريين سابقين اثنين وافقا على ذلك، أجبرت السلطات الإماراتية القادة السوريين الفارين على توقيع تعهّد بعدم الإدلاء بأي تصريحات سياسية، كما طلبت منهم عدم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أو لفت الأنظار إلى أنفسهم.

ولم يرد مسؤولون إماراتيون على أسئلة بشأن مسؤولي الأسد المقيمين في البلاد.

ومن بين الذين تتبعتهم «نيويورك تايمز» إلى الإمارات محمد الرحمون (68 عاماً)، وزير الداخلية السابق ورئيس المخابرات الجوية الأسبق، المتهم بالإشراف على اعتقالات جماعية وعمليات قتل خارج نطاق القضاء.

تحدثنا إلى ثلاثة أشخاص قالوا إنهم التقوا الرحمون في الإمارات العربية المتحدة. وبعد سقوط النظام بوقت قصير، أظهرت حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي تحققت «نيويورك تايمز» من صحتها ابنته وهي تبيع مجوهرات، وابنه وهو يطلق ورشة صيانة سيارات فاخرة في دبي.

كما يعيش هناك بحرية عدد من رجال الأعمال البارزين المتورطين في إدارة ثروة عائلة الأسد، ويرتادون مطاعم ومقاهي فاخرة، بحسب عدة رجال أعمال سوريين ومسؤولين سابقين.

لكن الأشخاص أنفسهم قالوا إن مسؤولين إماراتيين طلبوا من كبار الشخصيات الحكومية والعسكرية ألا يقيموا هناك، مع أنهم قالوا إن هؤلاء المسؤولين السابقين ظلوا قادرين على الاستثمار في البلاد.

ومن هذه الحالات اللواء السابق غسان بلال، وفقاً لزميلين له وصديق للعائلة. وتتهمه عقوبات أميركية وأوروبية بتسهيل تهريب «الكبتاغون»، وهو أمفيتامين شديد الإدمان يُقدَّر أنه جلب للنظام أكثر من 5 مليارات دولار.

في دمشق، زارت الصحيفة عقارين شاسعين قال الجيران إنهما يعودان لبلال، وكان أحدهما يضم مسابح وحمّاماً تركياً وسينما خارجية وصوراً عائلية على الجدران.

وأصدرت فرنسا مذكرة توقيف بحق بلال في أغسطس/آب، متهمةً إياه وستة مسؤولين آخرين بإصدار أوامر لاستهداف المدنيين خلال حصار وحشي لمدينة حمص وسط البلاد عام 2012. كما اتهمهم محققون بتدبير تفجير عام 2012 الذي قُتل فيه المصور الفرنسي ريمي أوشليك ومراسلة الحروب الأمريكية ماري كولفن.

ومع ذلك، قال زميلان سابقان إن اللواء السابق استثمر في عقارات إماراتية منذ سقوط النظام، بما في ذلك في فيلتين على «النخلة» (ذا بالم)، وهو أرخبيل اصطناعي تنتشر فيه فنادق ومساكن فخمة.

وتعيش زوجته وأولاده جزءاً من العام في إسبانيا، حيث تمتلك العائلة عقارات، وفقاً للزميلين السابقين وصديقين للعائلة قالوا إن هذا الترتيب قائم منذ سنوات طويلة. وأضاف أصدقاء العائلة أن ابنة بلال تدرس في جامعة خاصة شمال مدريد، ويبدو أنها تنشر على حساب في وسائل التواصل الاجتماعي عن دراستها هناك، وقد رآها صحافي من «التايمز» زار الحرم الجامعي.

ورفضت وزارة الخارجية في إسبانيا التعليق، قائلة إنها «لا تستطيع تقديم بيانات عن أفراد محددين».

أما لواء آخر، هو ياسين ضاحي (64 عاماً)، فقد واجه مشاكل صحية ومالية في دبي، بحسب إحدى بناته.

وكان ضاحي، الذي تقاعد قبل سقوط النظام، قد ترأس الفرع 235 التابع لمديرية المخابرات العسكرية في دمشق، وهو المعروف بين السوريين باسم «فرع فلسطين» المخيف، سيّئ السمعة بالتعذيب المنهجي والاختفاء القسري.

وقالت إحدى بناته إن ضاحي انتظر يومين رحلة إجلاء روسية، لكنه، إذ كان يعاني مرضاً في القلب ويخشى على سلامته، انضم بدلاً من ذلك إلى عائلته في دبي بتأشيرة سياحية انتهت صلاحيتها الآن.

وبسبب خوفه من الترحيل، لم يستطع طلب العلاج في أي مستشفى، وهو «على وشك أن ينفد ماله»، بحسب قولها.

وقالت إنه يخشى العودة إلى سوريا أيضاً، جزئياً لأن صهراً له، مهندساً في القصر الرئاسي، قُتل فيما يبدو في جريمة من جرائم «العدالة الشعبية».

مطاردة أشباح.. منهم من بقي في سوريا 

هناك فئة أخرى من مسؤولي النظام السابق: أولئك الذين لم يفرّوا مطلقاً. بعضهم مختبئ. وعلى الأقل واحد منهم قيد الاحتجاز. وآخرون مختفون في العلن.

أحد الجنرالات الذين قيل لنا إنهم ما زالوا في سوريا هو عصام حلاق. فقد أشرف على سلاح الجو السوري من عام 2010 حتى أكتوبر/تشرين الأول 2012، وهي الفترة التي بدأ فيها نظام الأسد استخدام الغارات الجوية ضد شعبه لقمع التمرد.

وبعد سقوط النظام، شكّل حلاق وعدة ضباط متقاعدين لجنةً للمحاربين القدامى وسعوا إلى العمل مع قادة سوريا الجدد. وقد عرضوا خبراتهم التقنية في مواضيع مثل صيانة الدبابات والطائرات على وزارة الدفاع الناشئة، بحسب ثلاثة ضباط زملاء.

لكن هذا التعاون لم يدم طويلاً. وبعد أشهر، قال هؤلاء إن الحكومة الجديدة قررت ألا تعمل إلا مع الضباط الذين تقاعدوا قبل اندلاع الانتفاضة الشعبية عام 2011، وألا تمنح معاشات تقاعدية إلا لهم.

وقال الضباط إن حلاق أصبح معدماً الآن، ويلازم الاختباء في شقته بدمشق خوفاً من اعتقاله. وقد رفض، عبر وسيط، إجراء مقابلة.

ومن بين 55 شخصية من النظام حققت الصحيفة في شأنها، لم تكتشف سوى شخص واحد بدا أنه أُوقف: طاهر خليل (70 عاماً)، الذي كان، بصفته الرئيس السابق لمديرية المدفعية والصواريخ، يشرف على الأسلحة الكيميائية وعلى ضربات أخرى طالت مناطق مدنية، وفقاً للاتحاد الأوروبي.

لسنوات، كان «شبحاً»، إذ كانت صورته وتفاصيل سيرته شبه مجهولة لدى الجمهور. «لكننا عثرنا على صورته وتاريخ ميلاده وبلدته في ملفات موظفين حكومية، وقادتنا هذه النتائج إلى صافيتا، مسقط رأس خليل، على بعد نحو 90 ميلاً شمال غرب دمشق»، تضيف الصحيفة. 

وهناك قال مسؤول أمن محلي، لم يذكر إلا اسمه الحركي، إن خليل اعتُقل في فبراير/شباط بعدما حاول في البداية الإفلات من الانتباه عبر تقديم نفسه كمتقاعد مسالم لا يشكل خطراً.

وشارك المسؤول صورةً لخليل وهو رهن الاحتجاز وتفاصيل أخرى داعمة، وقال إنه محتجز في دمشق.

ولم تعلن الحكومة السورية عن توقيف خليل—في إشارة ربما إلى أنها ما تزال تصارع كيفية التعامل مع مثل هذه القضايا.

مهندس «الكيميائي» والضمير «المرتاح»

في قلب حيّ تاريخي من أحياء دمشق، وتحت عرائش تتدلّى منها أزهار، يقبع مبنى حجري أنيق مألوف لكثير من السوريين، إذ ظهر خلفيةً في مسلسل تلفزيوني شعبي حديث.

لكن قلة يعرفون أنه أيضاً منزل  عمرو أرمنازي (81 عاماً)، المدير السابق لمركز الأبحاث الذي طوّر برنامج سوريا للأسلحة الكيميائية. وقد تقاعد عام 2021، ويبدو، من كل المؤشرات، أنه تقاعد في رخاء.

فتح الباب مرتدياً روب حمّام، ودعا صحافياً من «نيويورك تايمز» إلى شقة ذات أرضيات رخامية تغطيها سجاد شرقي، مستعداً للحديث عن أي شيء من قصة حياته إلى تاريخ سوريا، باستثناء العمل الذي جعل 33 دولة تحظر دخوله أراضيها.

وبحسب العقوبات الأميركية والأوروبية والبريطانية، لعب  أرمنازي دوراً رئيسياً في إنتاج أسلحة كيميائية استُخدمت ضد مدنيين سوريين.

وبحسب اثنين من محققي الأمم المتحدة الذين أُبلغوا بتفاصيل الجلسة، خضع  أرمنازي لاستجواب من الوكالة الأممية المسؤولة عن تطبيق الحظر الدولي على الأسلحة الكيميائية. لكنهما قالا إنه لم يُستجوب بشأن جرائم حرب محتملة.

ولا يزال غير واضح ما إذا كانت السلطات السورية قد استجوبت  أرمنازي، الذي انضم إلى مجلس أمناء جامعة سورية في يوليو/تموز، وفقاً لمنشور على «فيسبوك» نشرته الجامعة.

عمرو أرمنازي

ويُعد  أرمنازي واحداً من عدة حالات لمسؤولين بارزين في حقبة الأسد يبدو أنهم أحرار داخل سوريا، من دون توضيح رسمي عمّا إذا كانوا قد بُرّئوا أو عقدوا صفقات للتعاون مقابل التساهل.

وقالت وزارة الإعلام السورية إن الحكومة لم تمنح حصانة لشخصيات من النظام. ولم ترد على طلبات متعددة للحصول على معلومات إضافية حول وضع شخصيات رفيعة المستوى أو التحقيقات في جرائمها.

وقال مسؤولان سوريانن أصرّا على عدم كشف هويتهما لأنهما غير مخوّلين التحدث علناً باسم الحكومة، إن أولوية الحكومة هي تقديم من أصدروا الأوامر أو نفذوا الهجمات إلى العدالة، لا العلماء الذين مكّنوا ذلك.

لكن  أرمنازي«كان أكثر بكثير من مجرد بيروقراطي»، وفق نضال شخاني، مدير «مركز توثيق الانتهاكات الكيميائية في سوريا»، وكذلك منظمة Same Justice التي تبحث في انتهاكات حقوق الإنسان. وقال إن  أرمنازي كان «المهندس الأبرز» للمركز، «لطموحاته العلمية وإرثه الأكثر ظلمة في آن».

وخلال زيارتين إلى منزله، رفض الرجل البالغ 81 عاماً مراراً الحديث عن هذا الماضي. لكنه أصرّ على تسجيل نقطة يكاد كل مسؤول سابق من النظام تواصلت معه «نيويورك تايمز» أن يكررها. قال إن ضميره مرتاح! 

السابق
مقتل رئيس الأركان الليبي محمد الحداد إثر تحطم طائرته في أنقرة
التالي
«فيتو عقائدي» على رئاسة المجلس الشيعي..هل ينجح «الشيخ عبد الحسين صادق» في تجاوزه!