في جنوب لم يهدأ تماماً بعد، هل يستعد حزب الله لجولة جديدة؟ وهل تمسك إيران بالفعل بخيوط القرار «سطرًا بسطر»؟
بعد عام على عملية «سهام الشمال» العدوانية الإسرائيلية على لبنان، يعود سؤال واحد ليفرض نفسه بقوة: ماذا تبقّى من حزب الله بعد الحرب، وكيف يعيد ترتيب أوراقه؟ في مقابلة صحافية، ترسم ساريت زهافي، رئيسة مركز «ألما» الإسرائيلي لإتاحة المعلومات عن «الساحة الشمالية»، صورةً تقول إنها «لا تسمح بالاطمئنان»، لكنها أيضاً لا تشبه «اليوم الذي سبق 7 أكتوبر».
«20% ما زالت موجودة»… وما الذي لا نعرفه؟
تؤكد زهافي أن الحزب لم يفقد القدرة الصاروخية بالكامل، وتقول: «حتى اليوم الأخير من الحرب كان حزب الله يطلق بمعدل 100 صاروخ يومياً». وتضيف أن الرواية الإسرائيلية الرسمية نفسها تعترف بأن «80% من الترسانة تم تدميرها»، ما يعني أن «20% ما زالت قائمة».
وعن حجم ما تبقّى، تذهب إلى تقدير كبير: «يمكن تقدير أن لدى حزب الله ما لا يقل عن 20 ألف صاروخ، الغالبية العظمى منها غير دقيقة، وعلى الأرجح أن معظمها ليس بعيد المدى، لكن القدرة موجودة».
أما «سيناريو الاجتياح» على طريقة هجوم حماس، فتقلل من احتماله حالياً، لكنها لا تنفي مخاطر عمليات محدودة: «هل لدى عدد قليل من المسلحين القدرة على الوصول إلى بلدات؟ نعم، هل يستطيع حزب الله تنفيذ اجتياح مثل الذي نفذته حماس؟ لا. ليست لديه هذه القدرة اليوم».

جنوب لبنان و«اللعبة السياسية»
تقرأ زهافي ما تصفه بمشهد منع ضربة إسرائيلية في الجنوب لصالح تحرك الجيش اللبناني عبر آلية مراقبة وقف إطلاق النار بوصفه «رسالة سياسية» موجهة إلى الدولة اللبنانية: «إنها لعبة سياسية تجاه الحكومة اللبنانية. إسرائيل تحاول تحفيزها للتحرك ضد حزب الله».
لكنها تشدد على أن هذا المسار لا يعني تراجعاً إسرائيلياً عن العمل العسكري: «هذا لن يأتي بديلاً عن النشاط الإسرائيلي… النشاط في مواجهة حزب الله سيجري عبر ذراعين: من الجانب اللبناني ومن الجانب الإسرائيلي أيضاً».
«هل يكتبون خطبه؟»… إيران ونعيم قاسم
وعند السؤال عن نفوذ طهران، تذهب زهافي إلى توصيف بالغ الحدّة لدور إيران في صناعة القرار داخل الحزب: «التدخل الإيراني كبير جداً… يتجاوز تدريب القوة وتزويدها بالسلاح». ثم تضيف: «برأيي، إن لم يكن الإيرانيون يكتبون للأمين العام لحزب الله نعيم قاسم الخطب، فهم على الأقل يصححونها… يأتي دبلوماسي من طرفهم إلى لبنان و”يشدّ قاسم من كمّه” للتأكد من أنه على المسار الصحيح».
وتربط ذلك بتحولات داخلية بعد غياب «جيل المؤسسين»، معتبرة أن الزعامة الحالية لا تملك سحر نصرالله: «تقريباً كل جيل مؤسسي حزب الله اختفى، ونعيم قاسم لا يملك كاريزما نصرالله».
وتلمّح إلى أسماء أخرى داخل التنظيم، قائلة: «في رأيي توجد شخصية أكثر كاريزما من قاسم، وأكثر خطورة أيضاً، وفيق صفا، لكنه ليس رجل دين، لذا لا أرى من المرجح أن يتولى قيادة التنظيم».
مليار دولار من إيران… هل يعود «التعاظم»؟
في الجانب المالي، تشير زهافي إلى أن إيران منحت الحزب «مليار دولار خلال 2025» بهدف إعادة بناء القوة. لكنها تقول إن إسرائيل «كانت يقظة» خلال وقف إطلاق النار: «خلال وقف إطلاق النار هاجمت إسرائيل في لبنان بمعدل مرتين يومياً، وقتلت 300 ناشط من حزب الله».
وتحذر من سيناريو واحد: «أخشى سيناريو نغفو فيه أثناء الحراسة». وفي المقابل، ترى أن الحكومة اللبنانية لم تلتقط الفرصة: «إن كان هناك طرف أضاع فرصة، فهي الحكومة اللبنانية».
وتفسر سبب «العجز اللبناني» بالقول: «الجيش اللبناني بالكاد يدخل الأراضي الخاصة، ولذلك لا فرصة أن ينزع سلاح حزب الله لأن السلاح موجود داخل البيوت». ثم تلخص موقفها بجملة قاطعة: «لا يمكن بناء أي ترتيب على أساس الثقة».
تقول زهافي إن أحد مصادر التمويل غير الشرعي تلقى ضربة: «شبكة مخدر الكبتاغون ضعفت بشكل ملحوظ»، وتضيف أن الجيش اللبناني اعتقل بالفعل بعض التجار «وبعضهم مرتبطون بحزب الله»، لكنها تستدرك: «هل هذا “مغيّر قواعد اللعبة”؟ لا».
أما بشأن الأموال النقدية القادمة من إيران، فترى أنها باتت أصعب بسبب تراجع رحلات الطيران الإيراني إلى مطار بيروت: «من الأصعب إدخال نقد، لأن رحلات شركات طيران إيرانية لم تعد تهبط في مطار الحريري». لكنها تشير إلى بدائل: «دبلوماسيون ما زالوا يهبطون وهناك أيضاً تحويلات أموال تتم رقمياً عبر العملات المشفرة».
سوريا: «جزء من الحل» ضد حزب الله… و«مشكلة» بحد ذاتها
في الملف السوري، تقول زهافي إن الرئيس أحمد الشرع يحدّ من تدفق السلاح من إيران إلى لبنان: «فيما يتعلق بحزب الله فهو جزء من الحل لأنه يوقف بعض شحنات السلاح، لكن هل يمر جزء منها؟ على الأرجح نعم».
لكنها تلفت إلى نوعية المضبوطات التي تراها دليلاً على استعدادات مختلفة: «تُضبط أشياء للقتال القريب: ألغام، صواريخ قصيرة المدى، صواريخ مضادة للدروع، هذا مقلق». وتطرح سؤالاً مفتوحاً: «إذا كان هذا ما يهرّبه حزب الله، فما هي خطته العسكرية في الجولة المقبلة؟».
وفي المقابل، تحذر من «المسار البعيد» في سوريا نفسها: «علينا أن نكون حذرين جداً من سيناريو تصبح فيه على الجانب الآخر دولة إسلامية راديكالية للإخوان المسلمين»، مشيرة إلى «موطئ قدم كبير» لتركيا في سوريا.

