هل ينتظر باكستان وأفغانستان صراع عسكري؟

خالد العزي

يبدو أن التوترات بين باكستان وأفغانستان تتصاعد بشكل ملحوظ، مما يثير مخاوف من أن المنطقة قد تكون على حافة صراع عسكري طويل الأمد قد تكون له تأثيرات كبيرة على الاستقرار الإقليمي، بما في ذلك تأثيرات جانبية على سوريا والعديد من دول الشرق الأوسط. في الآونة الأخيرة، تصاعدت الهجمات الإرهابية التي تستهدف قوات الأمن الباكستانية، مما يساهم في تعميق الهوة بين كابول وإسلام آباد، ويزيد من تعقيد المشهد الأمني في المنطقة.

الهجوم الأخير في بيشاور: دليل على تصاعد التوترات

في 14 ديسمبر/كانون الأول، تعرض مقر لقوات الأمن في مدينة بيشاور الباكستانية لهجوم انتحاري أسفر عن مقتل ثلاثة ضباط وإصابة 11 آخرين. الهجوم وقع عند بوابة المقر بينما كان الجنود يصطفون لأداء التعداد الصباحي. الهجوم جاء في وقت حساس، حيث لا تزال بيشاور تشكل نقطة ساخنة في الصراع المستمر بين باكستان وأفغانستان، كونها تقع بالقرب من الحدود الأفغانية. اتهمت السلطات الباكستانية أفغانستان مباشرة بالمسؤولية عن الهجوم، رغم أن التحقيقات حول جنسيات المهاجمين لا تزال جارية.

وبينما لم تتبنى أي جهة مسؤولية الهجوم، أكدت السلطات الباكستانية أن هذا الهجوم قد يكون نتيجة للتساهل الأفغاني مع الجماعات الإرهابية، مثل حركة طالبان باكستان، التي تستخدم الأراضي الأفغانية كمخبأ لشن هجمات على باكستان. هذه الاتهامات ليست جديدة؛ فقد سبق أن استهدفت الجماعات المسلحة في أفغانستان القوات الباكستانية في عدة مناسبات.

التوترات السياسية والعسكرية بين باكستان وأفغانستان

الهجوم في بيشاور جاء بعد سلسلة من التوترات العسكرية بين البلدين. في أكتوبر، نفذت باكستان غارة جوية على كابول، ما أثار رد فعل غاضب من الحكومة الأفغانية. ورغم توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار برعاية قطر في 19 أكتوبر، فإن الوضع الأمني على الأرض لم يتحسن بشكل كبير، حيث استمر الجيش الباكستاني في شن غارات على القواعد التي يعتقد أنها تضم مسلحين من طالبان باكستان في أفغانستان. وفي 11 أكتوبر، استهدفت قوات باكستانية قاعدة للمسلحين في أفغانستان، مما أسفر عن مقتل 30 مسلحًا.

يبدو أن كابول ليست مستعدة لتعهد بمنع هجمات على باكستان من أراضيها، وهو ما يزيد من تعقيد المفاوضات بين الطرفين. باكستان تواصل الاتهام بأن أفغانستان تسمح للجماعات المسلحة بمهاجمة أراضيها من خلال التساهل مع وجود هذه الجماعات على الأراضي الأفغانية، في حين ترفض كابول هذه الاتهامات وتؤكد أنها تسعى للحفاظ على استقرار البلاد.

دور الهند في الصراع: محاولة دفع الجبهة إلى النزاع

باكستان تسعى جاهدة لتوسيع دائرة الصراع، وتحاول جر الهند إلى النزاع القائم بين باكستان وأفغانستان. هذا التوجه ينعكس في التصريحات الرسمية الباكستانية التي تتهم الهند بدعم بعض الجماعات المسلحة ضد باكستان. يعتقد المسؤولون في إسلام آباد أن الهند قد تكون متورطة في تصعيد الوضع الأمني في أفغانستان، في محاولة لإضعاف باكستان على عدة جبهات، بما في ذلك استهداف منشآت اقتصادية هامة مثل ميناء جوادر.

التحليلات تشير إلى أن باكستان تسعى لجعل النزاع بين أفغانستان والهند حربًا بالوكالة، وهي خطوة قد تؤدي إلى تصعيد غير مرغوب فيه. هذه الديناميكية قد تزيد من تعقيد الوضع الأمني في المنطقة، مع احتمالية أن تجد دول مثل الصين نفسها مضطرة للانخراط في القضية، حيث تعتبر باكستان شريكًا استراتيجيًا هامًا في إطار مبادرة “الحزام والطريق” الصينية.

تأثير الهجمات على المصالح الاقتصادية والاستراتيجية

الهجمات الإرهابية التي استهدفت منشآت ومشاريع صينية في باكستان كانت بمثابة تحذير واضح من تأثير التوترات الأمنية على مصالح بكين في المنطقة. على وجه الخصوص، فإن الهجمات على منشآت في ميناء جوادر، الذي يمثل جزءًا من الممر الاقتصادي الصيني الذي يمتد من شينجيانغ إلى المحيط الهندي، قد تهدد طموحات الصين في باكستان. يتضمن الممر الاقتصادي مشاريع ضخمة تتعلق بالنقل والطاقة، مما يزيد من الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة بالنسبة للصين.

هذه الهجمات تأتي في وقت حساس، حيث تواجه الصين تحديات متزايدة في استقرار مشاريعها الكبرى في باكستان، مثل محطات الطاقة والبنية التحتية. وتعتبر الصين أن الحفاظ على استقرار الوضع الأمني في باكستان أمرًا بالغ الأهمية، حيث ترتبط هذه المشاريع بمصالح استراتيجية طويلة المدى في منطقة جنوب آسيا.

إلى جانب الهجمات العسكرية والإرهابية المستمرة، فإن التوترات بين باكستان وأفغانستان قد تؤدي إلى صراع عسكري مفتوح، ما سيزيد من تعقيد الأوضاع الإقليمية. وهذا قد تكون له تأثيرات جانبية على دول أخرى، بما في ذلك سوريا ودول الخليج، التي يمكن أن تتأثر بالصراع الإقليمي الناتج عن التدخلات الكبرى مثل تلك التي تتورط فيها الهند والصين. في ظل هذه الديناميكيات، تبقى الساحة الدولية تشهد مزيدًا من المحاولات للتوسط والتفاوض، لكن يبدو أن الوضع الأمني في المنطقة سيظل هشًا إلى حين التوصل إلى تسوية شاملة.

السابق
«وداوني بالتي كانت هي الداء»: عندما تُعالَج علل الدولة بالدواء الطائفي!
التالي
إسرائيل ترفع تمثيلها في اجتماع «الميكانيزم».. وعودة الحديث عن «التعاون الاقتصادي»