علي الأمين: لبنان بين مطرقة «الوظيفة الإيرانية» وسندان «الشروط الإسرائيلية» والقوة الدولية هي الملاذ

علي الأمين
انتقد الأمين بحدة قرار الحكومة اللبنانية منح مجلس الجنوب مبلغ 90 مليون دولار، واصفاً المجلس بـ "مجلس الجيوب" وبأنه أداة لـ "تطويع الناس" بيد حركة أمل وحزب الله. واستغرب كيف يقبل رئيس الحكومة (نواف سلام) ورئيس الجمهورية بالعودة إلى نمط "المحاصصة القديم" الذي أوصل البلاد إلى الانهيار.

قدم رئيس تحرير موقع “الجنوبية”، الصحافي والمحلل السياسي علي الأمين جردة حساب شاملة للواقع اللبناني والإقليمي، محذراً من أن البلاد تنجرف نحو هاوية سحيقة نتيجة تلاقي “الأجندة الإيرانية” مع “العجز الرسمي اللبناني”.

وفي حوار استعرض فيه ملفات تبدأ من أمن الجاليات في الاغتراب وصولاً إلى هيكلية المؤسسات المالية الموازية، رسم الأمين مشهداً قاتماً للسلطة اللبنانية التي اتهمها بـ “التشبيح السياسي” والهروب من مسؤولية حسم القرارات المصيرية.

أحداث أستراليا: توظيف الإرهاب في صراع المخابرات

استهل الأمين حديثه بالتعليق على الهجوم الذي وقع في “بوندي” بأستراليا، مفنداً محاولات الإعلام الإسرائيلي توجيه أصابع الاتهام نحو إيران أو حزب الله.

واعتبر الأمين أن هذه العمليات هي “أعمال مستنكرة تضرب الجاليات العربية والمسلمة في العمق”، وتؤدي بالضرورة إلى منح إسرائيل نقاط قوة سياسية ومعنوية.

التدخل الأمريكي المباشر هو الذي منع إسرائيل من تنفيذ ضربة عسكرية في منطقة “يانوح” مؤخراً. وأكد أن هناك تبايناً واضحاً بين الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية

وأوضح الأمين أن التنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها “داعش”، تحولت إلى “أدوات استخباراتية” حمالة لأوجه، حيث يكاد لا يخلو جهاز مخابراتي (سواء كان إسرائيلياً أو إيرانياً أو غيره) من استثمار هذا العنوان لتنفيذ عمليات تخدم أهدافاً سياسية.

إقرأ أيضا: لبنان على طاولة نتنياهو – ترامب.. وكشف السبب الحقيقي للتخلي عن السلاح جنوب الليطاني

وتوقف الأمين عند مفارقة “ظهور داعش المفاجئ” في سوريا وأستراليا في وقت متزامن، مشيراً إلى أن الشعوب العربية، وخاصة السورية التي عانت من ويلات الدم، باتت ترفض هذا النمط الإرهابي، مستشهداً بالشاب السوري الذي ضحى بحياته للتصدي للمهاجم في أستراليا كـ “بصيص ضوء” في مشهد سوداوي.

الميدان الجنوبي: صراع الأسلوب بين واشنطن وتل أبيب

في الملف اللبناني الداخلي، كشف الأمين أن التدخل الأمريكي المباشر هو الذي منع إسرائيل من تنفيذ ضربة عسكرية في منطقة “يانوح” مؤخراً. وأكد أن هناك تبايناً واضحاً بين الإدارة الأمريكية والحكومة الإسرائيلية؛ فبينما يصر نتنياهو على القوة، تراهن واشنطن على “الطريق الدبلوماسي” لتحقيق أهداف جوهرية تتعلق بنزع السلاح أو حصره بيد الدولة.

التنظيمات المتطرفة، وعلى رأسها “داعش”، تحولت إلى “أدوات استخباراتية” حمالة لأوجه، حيث يكاد لا يخلو جهاز مخابراتي (سواء كان إسرائيلياً أو إيرانياً أو غيره) من استثمار هذا العنوان لتنفيذ عمليات تخدم أهدافاً سياسية

وحذر الأمين من أن هذا الصراع الأمريكي-الإسرائيلي هو صراع على “الوسيلة” وليس على “الهدف النهائي”، مشدداً على أن أمريكا قد ترفع يدها عن فرملة إسرائيل إذا شعرت أن الحكومة اللبنانية “غير جادة” أو “غير راغبة” في الاستجابة للمطالب الدولية المتعلقة بالسيادة.

“التواطؤ الرسمي”: حجة الحرب الأهلية لتمرير السلاح

وشن الأمين هجوماً عنيفاً على المنظومة الرسمية اللبنانية، متهماً إياها بـ “التواطؤ” مع حزب الله تحت ذريعة منع “الحرب الأهلية”. ورأى الأمين أن مقولة “الشيعة طائفة مجروحة” واستخدام فزاعة الاقتتال الداخلي هي مجرد غطاء للهروب من المسؤولية الوطنية.

الصراع الأمريكي-الإسرائيلي هو صراع على “الوسيلة” وليس على “الهدف النهائي”، مشدداً على أن أمريكا قد ترفع يدها عن فرملة إسرائيل إذا شعرت أن الحكومة اللبنانية “غير جادة” أو “غير راغبة” في الاستجابة للمطالب الدولية المتعلقة بالسيادة

وأكد الأمين أن “أكثر من 90% من أهل الجنوب يرفضون الحرب ويريدون حصرية السلاح بيد الدولة”، موضحاً أن الدولة تملك القدرة على التحرك عبر إجراءات سياسية وإعلامية وميدانية متدرجة، لكنها تختار “التواطؤ” عبر إبلاغ الخارج بأنها “عاجزة”.

واعتبر أن هذا المنطق سيؤدي إلى استسلام كامل وشروط إسرائيلية قاسية، بينما تنفيذ المهمة عبر الجيش اللبناني يظل الأقل كلفة مهما بلغت المخاطر.

التأخير الذي يحصل

وأشار الأمين إلى أن التأخير الحاصل في عدد من الملفات الإقليمية لا يعود فقط إلى منح لبنان فرصة إضافية على الصعيد الداخلي، بل يرتبط أيضاً بعوامل أوسع تتعلق بالموقف من إيران.

واعتبر أن الحكومة اللبنانية والسلطة السياسية قد تكونان حصلتا على مهلة إضافية لمعالجة بعض القضايا، إلا أن جوهر التأخير مرتبط بالمسألة الإيرانية وبالقرار الدولي المتعلق بالمواجهة أو عدمها مع طهران، سواء عبر حرب أو تسوية سياسية.

ووأضاف، فإن القرار النهائي بشأن الحرب على إيران لم يُحسم بعد، إذ لا تزال طهران أمام خيارين أساسيين: إما القبول بالمطالب الأميركية المتعلقة بملف التسلح والملف النووي وغيرها من القضايا المتكررة في سياق الضغوط الأميركية، وهو ما يعد تنازلاً كبيراً ومكلفاً بالنسبة لإيران، أو الذهاب نحو إغلاق هذا الملف من خلال مواجهة عسكرية قد تنفذها إسرائيل أو الولايات المتحدة.

وأشار إلى أن المرحلة الراهنة هي مرحلة انتظار يجري فيها “تقطيع الوقت” إلى حين اتخاذ القرار النهائي. وعندما يُتخذ هذا القرار، سيُتخذ في لبنان أيضاً، لأن أي ضربة عسكرية ضد إيران لن تكون بمعزل عن تحركات مباشرة في لبنان. ويُرجّح أنه في حال اتجهت الولايات المتحدة وإسرائيل نحو عمل عسكري ضد إيران، فإن الساحة اللبنانية ستكون جزءاً من المشهد الميداني، إذ ستقع ضربات متزامنة ضد الطرفين.

التأخير الحاصل في عدد من الملفات الإقليمية لا يعود فقط إلى منح لبنان فرصة إضافية على الصعيد الداخلي، بل يرتبط أيضاً بعوامل أوسع تتعلق بالموقف من إيران

واعتبر أن الردود المتبادلة في الوقت الراهن ما تزال ممكنة، إذ يمكن للبنان أن يأخذ ويعطي في حدود معينة، لكن في اللحظة التي يُتخذ فيها القرار بالحرب أو بالضربة الكبرى ضد إيران، ستتغير المعادلة كلياً، ولن يكون هناك مجال للحوار أو المراوحة السياسية.

وطرح الأمين تساؤلاً حول أسباب منح إيران هذه المهل المتتالية، مشيراً إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان يراهن على تحقيق إنجاز سياسي في الملف الإيراني من دون خوض حرب، معتبراً أن احتواء إيران سلمياً سيكون بمثابة “جائزته الكبرى”. ويعتقد ترامب أن تحقيق هذا الهدف سيُعد إنجازاً سياسياً يمكن تقديمه للعالم كنجاح دبلوماسي كبير، وربما مدخلاً للحصول على جائزة نوبل للسلام في حال تمكن من حل الأزمة النووية الإيرانية بطريقة سلمية.

ولفت إلى أنه في حال تعذر هذا المسار وظهرت مؤشرات على انسداد أفق التسوية، فإن المنطقة قد تتجه نحو مواجهة عسكرية، سواء بقرار إسرائيلي أو أميركي، في إطار محاولات إغلاق الملف الإيراني بالقوة.

المنطقة الاقتصادية: مشروع “سوليدير الجنوب” ومخاطر التهجير

تطرق الأمين إلى الاقتراح الأمريكي-الإسرائيلي بإنشاء “منطقة اقتصادية” في الجنوب اللبناني. وأوضح أن الفكرة تهدف إلى استبدال “الحاجز الأمني” بـ “نظام مصالح” تشترك فيه أطراف دولية واستثمارات كبرى.

“أكثر من 90% من أهل الجنوب يرفضون الحرب ويريدون حصرية السلاح بيد الدولة”

وحذر الأمين من أن المعضلة الأساسية تكمن في محاولة إبقاء هذه المنطقة “خالية من السكان”، وهو ما يشكل خطراً ديمغرافياً حقيقياً. واعتبر أن إبعاد 110 آلاف مواطن عن بيوتهم وتحويل أراضيهم إلى “أسهم” في شركة استثمارية هو قنبلة موقوتة، مطالباً الدولة اللبنانية بمقايضة السلام الاقتصادي بـ “عودة السكان” أولاً، لأن السلام الذي يقوم على طرد الناس هو مجرد مقدمة لصراع جديد.

إعادة الإعمار: مجلس الجنوب “مغارة زبائنية”

انتقد الأمين بحدة قرار الحكومة اللبنانية منح مجلس الجنوب مبلغ 90 مليون دولار، واصفاً المجلس بـ “مجلس الجيوب” وبأنه أداة لـ “تطويع الناس” بيد حركة أمل وحزب الله. واستغرب كيف يقبل رئيس الحكومة (نواف سلام) ورئيس الجمهورية بالعودة إلى نمط “المحاصصة القديم” الذي أوصل البلاد إلى الانهيار.

إقرأ أيضا: خلافة «قاسم» وتعيين «رعد» تكشف تصدعات في قيادة «حزب الله» بين المحافظين و«تيار التجديد»

وطالب الأمين بإنشاء “هيئة مستقلة ونزيهة” للإشراف على إعادة الإعمار بعيداً عن “التشبيح الحزبي”، مؤكداً أن الأموال تُصرف حالياً وفق لوائح حزبية تميز بين المواطنين وتُستخدم لتمويل الحملات الانتخابية المقبلة، وهو ما يعتبره الأمين “كارثة جديدة” تُضاف إلى سجل الفساد اللبناني.

حزب الله: الانكشاف المالي والتحول إلى “العمل المدني”

عن الوضع الداخلي لحزب الله، أشار الأمين إلى أن الحزب يعيش حالة من “تراجع الملاءة المالية” نتيجة الضغوط الدولية وتراجع الدعم الإيراني الملياري. وأوضح أن الحزب قلص رواتب كوادره وتأخر في دفع تعويضات المتضررين من الحرب، مما يشير إلى أزمة حقيقية.

كيف يقبل رئيس الحكومة (نواف سلام) ورئيس الجمهورية بالعودة إلى نمط “المحاصصة القديم” الذي أوصل البلاد إلى الانهيار

وفي تعليقه على جمعية “جود” كبديل عن “القرض الحسن”، اعتبر الأمين أنها محاولة للبحث عن شرعية قانونية وعمليات “بيع وشراء للذهب” بدل الرهن، لكنه أكد أن الحزب لن يستطيع الهروب من الرقابة الدولية. ورأى أن حزب الله، خاصة بعد غياب قياداته التاريخية، بات “يُدار بشكل مباشر من العقل الإيراني”، وهو أمام تحدي التحول إلى حزب مدني، وهو ما ترفضه طهران التي لا تزال تصر على وظيفته كـ “حركة جهادية” تخدم أمنها القومي.

الدبلوماسية والسيادة: صراع الهوية اللبنانية

دافع الأمين عن أداء وزارة الخارجية تجاه إيران، معتبراً أن العلاقة بين البلدين يجب أن تخرج من “منطق الدجل” والتبعية. وانتقد ازدواجية الخطاب الإيراني الذي يقدم كلاماً دبلوماسياً ناعماً بينما يتدخل الحرس الثوري في صلب التفاصيل اللبنانية.

الانتخابات النياببة قادمة لا محالة، وإن خضعت لـ “تأجيل تقني” بسيط، مؤكداً أن التغيير يبدأ من كسر حلقات الفساد والزبائنية التي تكرسها السلطة الحالية

كما توقف عند دور “لجنة الميكانيزم” وحضور السفير سيمون كرم، معتبراً أن تعيين شخصية مدنية وازنة يمثل انتقالاً من المرحلة التقنية إلى المرحلة السياسية. ورحب بالعودة الفرنسية إلى طاولة المفاوضات لكسر الثلاثية (اللبنانية-الأمريكية-الإسرائيلية)، معتبراً أن لبنان بحاجة إلى كل مظلة دولية تحميه من “الجنون الإسرائيلي” و”الاستثمار الإيراني”.

اليونيفيل والانتخابات

وختم الأمين بالتنبيه إلى استحقاق عام 2026 المتعلق بقوات “اليونيفيل”، مشيراً إلى أن هناك توجهاً لإنهاء مهمتها، مما يستدعي التفكير في “لجان مراقبة دولية” دائمة (نموذج الأندوف) لحماية الحدود. أما داخلياً، فرأى أن الانتخابات النياببة قادمة لا محالة، وإن خضعت لـ “تأجيل تقني” بسيط، مؤكداً أن التغيير يبدأ من كسر حلقات الفساد والزبائنية التي تكرسها السلطة الحالية.

السابق
85 منظمة حقوقية تطالب بإحالة ملف انتهاكات حقوق الإنسان في إيران إلى «الجنائية الدولية»
التالي
أسرار الصحف المحلية الصادرة اليوم الأربعاء 17 كانون الأول 2025