حين تصبح المقاومة وظيفة: حزب الله من عقيدة الوليّ الفقيه إلى مشروع السلطة

ايران وحزب الله

ليس من الواقعي، ولا من المفيد، إنكار وجود فعل مقاومة في لبنان. فالمقاومة، كمفهوم وممارسة، شكّلت جزءًا من التاريخ السياسي والعسكري اللبناني، وتبنّتها تيارات وأحزاب متعددة، لكلٍّ منها تعريفه وسياقه وأهدافه. لكن الإشكالية الحقيقية تبدأ حين ننتقل من الحديث عن المقاومة بوصفها فعلًا دفاعيًا وطنيًا، إلى تفكيك معناها في القاموس السياسي لحزب الله تحديدًا.

حزب عقائدي ايديولوجي

فحزب الله لم يولد كحركة مقاومة وطنية نشأت من رحم المجتمع اللبناني استجابةً لاحتلالٍ طارئ، بل نشأ كحزبٍ عقائديّ، أيديولوجيّ، مرتبط عضويًا بمشروع الثورة الإسلامية في إيران، بعد ثلاث سنوات فقط من انتصارها عام 1979. لم يكن إعلان الحزب عن نفسه نتاج مسار سياسي لبناني داخلي، بل جاء عبر مسارين غير مباشرين: تشكيل نواة تنظيمية من منشقين عن فصائل إسلامية متعددة، وإنشاء معسكرات تدريب بإشراف الحرس الثوري الإيراني في البقاع. أي أن الحزب وُلد كأداة ضمن مشروع خارجي، لا كمحصلة نقاش وطني حول معنى المقاومة وحدودها.

منذ البداية، ارتبطت مقاومة حزب الله لإسرائيل بفتوى دينية صادرة عن الإمام الخميني، لا بقرار سيادي لبناني. فالخميني، الذي رفع شعار «الموت لإسرائيل» كجزء من هوية نظامه العقائدي، لم يفصل يومًا بين الدين والسياسة، ولا بين التشيّع ومشروع السلطة. ومن هذا المنطلق، لم تكن مقاومة حزب الله خيارًا لبنانيًا مستقلًا، بل تنفيذًا لتكليف شرعي صادر عن الوليّ الفقيه، ضمن رؤية استراتيجية تهدف إلى تصدير الثورة وبناء نفوذ إقليمي لإيران.

حتى عام 2000، يمكن القول إن الحزب مارس فعلًا مقاومًا ضد الاحتلال الإسرائيلي. لكن هذه المقاومة شُوّهت حين احتكر الحزب سرديتها، وأقصى عمدًا كلّ القوى التي شاركته القتال، من «جمّول» إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي وحركة أمل وغيرها، في عملية محوٍ سياسي للتاريخ، هدفها تثبيت احتكار السلاح واحتكار «الشرعية الثورية».

حروب خاسرة

أما حرب تموز 2006، فلم تكن فعل مقاومة بقدر ما كانت محاولة لتصحيح خطأ استراتيجي ارتكبه الحزب بأسره لجنود إسرائيليين دون قرار وطني، ما أدّى إلى حرب مدمّرة اعترف أمينه العام السابق حسن نصرالله نفسه بأنه لم يكن ليُقدم عليها لو توقّع نتائجها. هنا، تسقط المقاومة كفعل أخلاقي حين تتحوّل إلى قرار أحادي يدمّر بلدًا بأكمله.

الأمر نفسه تكرّر في «حرب الإسناد» عام 2023، التي خاضها الحزب تحت شعار «نصرة غزة»، بينما كانت في الواقع حلقة جديدة من توظيف السلاح اللبناني في خدمة استراتيجية إيرانية تفاوضية مع الولايات المتحدة. لم يكن الهدف تحرير فلسطين، بل تحسين شروط طهران الإقليمية عبر وكيلها اللبناني، وهو ما انتهى باغتيال نصرالله وعدد من قادة الصف الأول، دون أي مكسب لغزة أو للبنان.

منذ عام 2011، ومع اندلاع الثورة السورية، أسقط حزب الله نهائيًا أي ادعاء بأنه مقاومة. قاتل في سوريا واليمن والعراق، لا دفاعًا عن لبنان، بل دفاعًا عن مشروع إيراني توسّعي. وحين سقط نظام بشار الأسد، لم يقدّم الحزب أي مراجعة نقدية، ولم يفسّر لجمهوره جدوى حربه في سوريا، خصوصًا بعد القضاء على تنظيم «داعش» ومجيء سلطة جديدة في دمشق، ما كشف زيف ذريعة «مكافحة الإرهاب».

المقاومة طريق الى السلطة

اليوم، ومع الحديث المتزايد عن إعادة هيكلة الحزب بقرار إيراني، يتبيّن بوضوح أن حزب الله ليس حركة مقاومة، بل حزبًا عقائديًا يسعى إلى السلطة، يستخدم المقاومة كغطاء أخلاقي وسلاحًا رمزيًا لتبرير تمدّد مشروع الوليّ الفقيه في المنطقة. فالمقاومة لم تكن يومًا غايته، بل كانت وظيفته.

ومن هنا، يصبح التناقض فاضحًا: حزب يرفع شعار المقاومة بينما يمارس سياسات سلطوية، ويقاتل خارج حدوده، ويخضع قراره الاستراتيجي لمرجعية غير لبنانية. مقاومة بلا سيادة، وبلا مشروع وطني، ليست مقاومة، بل أداة في يد مشروع إمبراطوري.

إن مأزق حزب الله اليوم ليس عسكريًا فقط، بل فكري وأخلاقي: إما أن يعترف بأنه حزب عقائدي يعمل ضمن مشروع إيراني، أو أن يتخلّى عن سلاحه ويعود إلى السياسة اللبنانية كحزبٍ عادي. أما الاستمرار في استخدام «المقاومة» كذريعة للهيمنة، فقد بات عبئًا على لبنان، وعلى الشيعة، وعلى فكرة المقاومة نفسها.

السابق
الصحف الإيرانية: تأخر لبنان في قبول السفير الإيراني الجديد يضع العلاقات الثنائية أمام اختبار صعب
التالي
بشار وأسماء: معلومات جديدة عن حياة عائلة الأسد في موسكو.. بين «السرطان» و«طبّ العيون»