في ظل الجدل المتصاعد حول مداهمة المنازل من قبل الجيش اللبناني، تتقاطع الاعتبارات الأمنية مع الأسئلة الدستورية والقانونية، لتضع الجيش والحكومة في قلب إشكالية حساسة تمسّ الحقوق والحريات الأساسية للمواطنين. فبين مبدأ “حرمة المنازل” الذي يكفله الدستور، وغياب إعلان رسمي لمنطقة عسكرية أو حالة طوارئ، تبرز تساؤلات حول الإطار القانوني الذي يُنظّم تفتيش البيوت، وحول ما إذا كانت الإجراءات المتّبعة اليوم تستند إلى مراسيم واضحة أم إلى سياسات عامة غير مقنّنة، ما يفتح الباب أمام فجوات قانونية ومسؤوليات متبادلة لا تزال من دون حسم. فهل تتعارض مداهمة المنزل مع الحريات والحقوق التي يكفلها الدستور، وسندًا لأي قرار يسمح للجيش بالمداهمة وتفتيش المنازل؟ ولماذا يُوضع الجيش في مواجهة الناس بدون غطاء دستوري وقانوني؟!
مبدأ حرمة المنازل
يشير المحامي علي سويدان إلى أنّ المادة 14 الدستور اللبناني ينصّ على مبدأ “حرمة المنازل”، بحيث لا يجوز الدخول إلى أي منزل إلا ضمن الحدود والأصول والشروط التي يحدّدها القانون. وفي الحالة العادية والطبيعية، فإنّ أي مداهمة أو تفتيش لمنزل يجب أن يخضع لإشارة قضائية من قبل النيابة العامة التي توكل الضابطة العدلية، بتنفيذ المهمات إلى القوى الأمنية المختلفة. إذ يُعتبر تخزين السلاح جرمًا يتحرك على إثره القضاء لضبط الأدلة. وفي حال عدم امتثال صاحب المنزل، تُتخذ بحقه الإجراءات القانونية اللازمة، والتي تُعدّ جرائم تُصنَّف ضمن تعطيل تنفيذ أمر قضائي.
منطقة عسكرية أو حالة طوارئ
أمّا في حالة التعبئة العامة أو إعلان منطقة عسكرية، فيصبح من حقّ الجيش مداهمة المنازل إذا ما ذكر ذلك صريحًأ في المرسوم الحكومي. ويذكر أن هناك سابقة حيث أعلن قضاء الهرمل، منطقة عسكرية بموجب مرسوم في سنة 1972. غير أنّ إعلان حالة الطوارئ العسكرية في أي منطقة يجب أن يصدر بمرسوم عن مجلس الوزراء، باعتباره من القضايا الهامّة التي تتطلّب موافقة ثلثَي أعضاء مجلس الوزراء، على أن تُعرض لاحقًا للمصادقة من قبل مجلس النواب.
المأزق الحاصل اليوم؟
وعن الوضع الراهن اليوم، يشير سويدان إلى أنّه، بالمعنى القانوني، فإنّ الجنوب ليس منطقة عسكرية ولم تُعلن فيه حالة الطوارئ. وبالتالي، ما يحصل اليوم هناك يُعدّ “تمظهرًا لاتفاق وقف الأعمال العدائية”. وأضاف سويدان، عند سؤاله عن إمكانية المزاوجة بين توقيع الدولة اللبنانية على اتفاق يتعارض مع دستورها، بالقول: “إعلان وقف الأعمال العدائية لا يشير إلى مداهمة المنازل، بل يقتصر على نزع السلاح، لكن يتداول أنّ هناك ورقة ضمانات أميركية للإسرائيليين، تُوازي إعلان وقف الأعمال العدائية، والتي لا يعرف أحد تفاصيلها”.
إقرأ أيضا: إسرائيل تكشف كواليس ما حصل في يانوح.. لماذا قرر الجيش الإسرئيلي تعليق الضربة بعد التهديد؟
ويشير سويدان إلى أنّ هذا الاتفاق، من منظور التحليل السياسي والعسكري، منح الإسرائيليين حرية الحركة، إلا أنّه دستوريًا وقانونيًا، لم تُقنَّن مسألة مداهمة الجيش للمنازل. ويرى أنه لا يمكن أن تكون هناك إجراءات تتناقض مع المبدأ الدستوري الأعلى من انتهاك لحقوق المواطنين وحرياتهم، سواء كان البحث عن أسلحة أو مخدرات أو غير ذلك، إذ إنّ صاحب المنزل يحميه الدستور، وأي قانون أو مرسوم يخالف مبدأ حرمة المنزل يُبطله المجلس الدستوري أو مجلس شورى الدولة.
سياسات حكومية بلا مراسيم إجرائية!
وبالنسبة لقرارات الحكومة الصادرة في 5 و7 آب، فيشير إلى كونها لم تُخوّل الجيش الدخول إلى المنازل: “هذه القرارات تعكس السياسة العامة للحكومة، وليس بالضرورة أن تتجسّد على شكل تشريع أو قانون. ولتنفيذ هذه السياسات، يجب إصدار مراسيم وإجراءات تنفيذية تتناغم معها وتوضح الهدف المرجو تحقيقه”.
فجوة في عمل الجيش!
لنفترض أنّه طُلب من لجنة الميكانيزم تفتيش مئة منزل، وتبيّن أنّ هناك 90 منزلًا تحتوي على أسلحة، بينما 10 منازل خالية منها، فإلى من يرفع أصحاب هذه المنازل الخالية تظلمهم وشكواهم؟ وأكثر من ذلك، هل هناك إجراءات قانونية تتخذ بحق من يُضبط في منزله أسلحة؟ في الواقع، يكتفي الجيش عادة بمصادرة السلاح دون اتخاذ أي إجراء آخر، وهو ما يشوبه فجوة في عمل الجيش. ومن ثم، على الحكومة إيجاد حل يضمن السير في مسار قانوني محدّد وواضح.
قواعد اشتباك غامضة!
صرّح الجنرال المتقاعد خالد حمادة لصحيفة جنوبية قائلاً: “أي قوى أمنية لها الحق بمداهمة المنازل في حالة الجرم المشهود، أما في حالة عدم وجود جرم مشهود، فهناك حاجة لتكليف قضائي”. وأضاف: “مهمة الجيش في الجنوب حصر السلاح، وأينما وُجد السلاح يجب حصره، سواء كان في الأنفاق أم في المنازل”.
إقرأ أيضا: 23 أسيراً لبنانياً لدى إسرائيل.. «هيئة ممثلي الأسرى والمحررين اللبنانيين» تقدم مذكرة لرئيس الجمهورية
ويعتبر حمادة أنه من حق المواطن طلب إذن قضائي لتفتيش منزله. لكنه يرى أنّ أمر العمليات الصادر من الجيش اللبناني إلى الحكومة لم يذكر بصريح العبارة التفاصيل الدقيقة أو ما يسمّيها بـ”قواعد الاشتباك” التي يعمل على أساسها الجيش، ومن ثم أخذ الموافقة السياسية من الحكومة. ويرى أنّه “لم يحصل ذلك حتى الآن داخل مجلس الوزراء، ولا من قبل الجيش اللبناني”.
تهرب من المسؤوليات!
الأمور “ظلت مبهمة” بحسب حمادة، والتقارير التي يقدّمها الجيش اللبناني هي في الأساس “جردة بما صادره من أسلحة، دون تحديد الإجراءات والمسارات التي يمكنه اتباعها لتحقيق مهمته”. ويرى حمادة أنّ على الحكومة أن توضح للجيش اللبناني ما يجب فعله وما يجب الامتناع عنه، مضيفًا: “ما يحصل اليوم هو التهرب من المسؤوليات وإلقاء اللوم بين الجهات الحكومية وقيادة الجيش على بعضهم البعض”.
ثغرة كبيرة!
ويرى حمادة أن الحكومة تنقصها الخبرة، والجيش اللبناني يحاول تجنب مداهمة المنازل لاعتبارات سياسية، وكان على قائد الجيش أن يطلب “أمر مهمات واضح من الحكومة”. ويلفت حمادة إلى “ثغرة كبيرة”، تتجلى أنه في حين تنفيذ عمليات عسكرية بتكليف من مجلس الوزراء في بقعة جغرافية، يجب أن تعلن هذه المنطقة كمنطقة عسكرية وفقًا لمرسوم وزاري يحدد المهمات بشكل تفصيلي وواضح، لا يقبل أي ثغرة (المكان والتواريخ والمواقيت والمهمات)، وهذا لم يتم، وما لم يقله قائد الجيش داخل الحكومة!
ويشير حمادة قائلاً: “عندما تهرب من المشكلة، تأتي المشكلة إلى بيتك، وكان على الجيش استباق الموضوع لأنه الآن وقع في ورطة”، ويعتبر أن هذا الملف كان يجب أن يناقش بطريقة محترفة على طاولة مجلس الوزراء مع وزير الدفاع وقائد الجيش وبالتفاصيل الدقيقة. ويختم حمادة بالقول: “إذا لم تربي أولادك، سيقوم جيرانك بالمهمة بدلًا عنك”.


