الشويفات اليوم ليست مدينة تواجه أزمة خدماتية عابرة، بل نموذج صارخ لبلدية انهارت أولوياتها، وتحوّل الفساد فيها إلى جزء من يوميات الناس. فالمياه الآسنة تجتاح الطرقات، الروائح الكريهة تلاحق السكان، والمدينة تغرق في مشاهد لا تليق بأبسط البلديات في العالم، فكيف بمدينة تُعدّ من أكبر مدن جبل لبنان؟
مجارير تفيض… وفساد يطفح معها
الإهمال لا يقتصر على بعض الأحياء، بل يطال بشكل خاص المناطق البعيدة عن مركز القرار البلدي مثل أطراف عرمون وخلدة، ويمتد حتى محيط قصر الشخصية الأكثر نفوذاً في البلدية. هناك، تحديداً عند مدخل القصر، تتجمّع المستنقعات وتتراكم مياه الصرف الصحي من كل جانب.
شركات المقاولات المحسوبة على أصحاب القرار تعمد الى تركيب انابيب للصرف الصحي قليلة السعة اشبه بالمواسير المخصصة لجرّ المياه، لا تعالج أزمة تدفّق المياه من أعالي عرمون وتلال خلدة، بل تزيد الطين بلّة. حلول ترقيعية سريعة، لا هدف لها إلا تسهيل الصيانة المؤقتة وإبقاء المجال مفتوحاً أمام صفقات دائمة. وكأن المطلوب أن تبقى المشكلة قائمة كي تبقى الاستفادة منها قائمة أيضاً.
والنتيجة، حفر في الشوارع، حوادث سير، سيارات تتحطم… بل وحتى حفر تبتلع السيارات على الطريق البحري بخلدة، كما حصل الشهر الماضي ويحصل كل عام مع بداية فصل الشتاء، بسبب تكرار الصيانات الفاشلة وغياب المحاسبة عن مقاولي وحاشية صاحب القصر.
مدينة كاملة تحوّلت إلى شبكة مصائد بسبب هندسات خاطئة ومتعمدة.
ملف النفايات ليس أفضل حالاً. المستوعبات موزعة بطريقة عشوائية، أحياناً وسط الطرقات، وأحياناً أمام المساجد، في مشهد يعكس غياباً كاملاً للتخطيط وافتقاداً لأبسط المعايير الصحية واحترام الأماكن الدينية.
ما يحصل ليس سهوًا ولا ضعف إدارة. ما يحصل هو استهتار مباشر بسكان المدينة واحتياجاتهم وكرامتهم.

شراكات سياسية… ومدينة تُترك لمصيرها
أهالي دوحة الشويفات وخلدة يدفعون الثمن يومياً:
من صحتهم، من بيئتهم، من سياراتهم ومن قيمة ممتلكاتهم. ورغم الشراكة القوية بين بعض القوى السياسية والعشائر في خلدة، تُدار البلدية وكأنها ملكية خاصة، خارج أي محاسبة، وخارج أي رقابة، وفي ظل قرار واحد: استمرار الوضع كما هو.
المشكلة ليست في غياب الأموال،. وليست في نقص الخبرات،. بل في غياب الإرادة الحقيقية للإصلاح.
ما يجري اليوم هو إدارة سطحية للأزمات، تُبقي المشاكل حيّة وفاعلة فقط لأنها تُشكّل مدخلاً دائماً للصفقات.
الأزمة ليست أزمة بنى تحتية… بل أزمة ذهنية ومصالح.
من يحاسب من؟
دوحة الشويفات وخلدة تحتاجان إلى مواجهة صريحة، إلى كشف ما يجري خلف الكواليس، إلى تسمية الأمور بأسمائها. فالمجاري التي تفيض صيفاً وشتاء ليست مجرد مشكلة هندسية، بل علامة فارقة على فساد ينهش المدينة من أطرافها حتى قلبها.
من حق الناس أن يعرفوا: من يستفيد من بقاء الطرق محفّرة، من يربح من تركيب “مواسير” لمياه المجاري لا تنفع؟
ومن يتغذّى على فوضى النفايات التي صارت جزءاً من يوميات المدينة؟
استعادة كرامة الشويفات وخلدة تبدأ من سؤال واحد: إلى متى تُترك مدينة كاملة تحت رحمة سوء الإدارة؟

