في لُجَّةِ الزمان الغابر، حيث كان جبل عامل كتفاً صخرياً عارياً يُسندُ السماء، وحيث كانت “عبّا” – لا تزالُ نبضاً خافتاً تحت رداء التعب – تتنفسُ عطر التراب المشتهاة، كان هناك همسٌ أقدمُ من صوتِ السواقي، وأعذبُ من ألحانِ سنابلِ القمح. كان همسُ الأرض العطشى، التي غادرتها أسماءُ الحقول، لكن لم يغادرها العشقُ الجبلي. لقد تمددت يدُ الوالي الثقيلة على مساحاتٍ كانت ذات يومٍ خصرَ بلاد الشومر والتفاح، فجُرحَ قلبُ الجبل. وكأنَّ شجرةَ الزيتون المعمّرة قد سُحبت جذورها من رحمِ الأمومة. الأرضُ، يا سيدي، ليست مساحةً تُقاسُ بالذراع، بل هي تاريخٌ يَنزُف، وعهدٌ مُقدّسٌ بين الفلاح وكفايته.
لقد كان السيد وهبي ترحيني، والدُ “خليل أبي دلة”، وهارون، وحسين، ورفاقُهم من آل حسين أحمد وياسين وحمود وآل عميس وآل قاووق، الذين أسسوا وأقاموا في هذه الضيعة، هم أعمدةَ الخيمة البالية التي تحتضنُ فقرَ الجنوب وكرامتَه. كانت أيديهم المفتولةُ شاهدةً على أنَّ “رزقُهم معجونٌ بترابهم”. إنهم نُسّاجُ الحياة، يُحولون الشقاء إلى تبادلٍ نبيلٍ، فيُبادلُ الفلاحُ بزيتِه ما جادت به القرى المجاورةُ من عدسٍ أو قمح؛ كان التبادلُ هنا ليس مجردَ تجارة، بل مناجاةٌ روحيةٌ بين الجائع والمُطعِم.
لكنَّ حياةَ الريفِ الهادئةَ لم تكن سوى بركةٍ ساكنةٍ تُخبئُ تحتها نارَ الكبرياء؛ فإذا كانت المطالبةُ باسترجاعِ حقولِ عبّا هي وترَ الصبر، فإنَّ جبلَ عامل كله كان سيفاً مصلتاً في وجهِ جبروتِ الجزار. هذا الاسمُ، الذي أصبحَ مرادفاً للريحِ التي لا تُبقي ولا تذر، مدَّ ذراعَهُ ليُحيلَ مواسمَ الحصاد إلى رماد. وفي لُجّتهِ، لمعَ اسمُ ناصيف النصار، قائداً ليس بصولجانِ الملك، بل بـنبضِ القلبِ المتقد. كان ناصيفُ هو التجسيدُ الحيُّ لـفلسفةِ أنَّ “الموتَ في سبيلِ الكرامةِ هو الحياةُ المُثلى”.
لقد حوّلَ ناصيفُ قُرى عامل من مجردِ مساكنَ صامتةٍ إلى منابرَ للصمود، مدركاً أنَّ قضيةَ الشومر والتفاح في “عبّا” لا تختلفُ جوهرياً عن معركةِ الكبرياء في كلِ شبرٍ من الجبل. كانت الموسيقى الفريدة في ذلك الزمن هي “قصفُ البارود” الذي يترددُ صداه بين الهضاب، لحناً حزيناً، لكنهُ مُفعمٌ بـالتوقِ للحرية.
وعندما وصلَ الخبرُ إلى “عبّا” بأنَّ ناصيفَ قد ارتقى بدمِه على صخرةِ يارون، لم يكن مجردَ نعيٍ لفارسٍ سقط، بل كان زلزالاً صامتاً. تحوّلت تلك الصخرةُ إلى “منارةٍ فلسفية”؛ إلى الدفترِ المفتوحِ الذي يُسطّرُ عليه الجنوبُ عهدَهُ الأبدي.
لقد أدرك الرجالُ، كآل ترحيني وآل قاووق، أنَّ الوثيقةَ التي رفعوها للوالي، هي أختٌ لـالبارود الذي أطلقه ناصيف. كلاهما محاولةٌ لتمزيقِ رداءِ الظلمِ، أحدهما بالكلمة، والآخرُ بالرصاصة.
سُمعَ همسٌ يقول: “ناصيف لم يمت على صخرة، بل أقامَ معبداً من الشهادة على تلك الصخرة”. فباتَ استشهادُه بمثابةِ قَسَمٍ جماعيٍّ غيرِ منطوق، حيث تحوّلَ مطلبُ استرجاعِ الأرض من مجردِ قضيةٍ اقتصاديةٍ إلى قضيةِ وجودٍ وكرامة.
إنَّ دماءَهُ تُنادي: كونوا للأرضِ، الأرضُ تنبتُكمُ قوةً. وهكذا، أورثَ الاستشهادُ سكانَ “عبّا” مناعةً ضدَّ الانكسار. فصارتْ المطالبةُ بأرضِ الشومر والتفاح، التي قادها السيد وهبي ترحيني، ليست استجداءً، بل “إعلاناً عن عدمِ التنازل”.
إنه الوعدُ الأبدي الذي سطرته صخرة يارون: لن نُبادلَ أرضَنا بالذلِّ، ما دامَ لدمِ ناصيفَ صدىً في جبالِنا.
(صخرة يارون)


