إنها دمشق.. “امرأة بسبعة مستحيلات… وخمسة أسماء وعشرة ألقاب… مثوى ألف ولي، ومدرسة عشرين نبي… وفكرة خمسة عشر إله خرافي لحضارات شنقت نفسها على أبوابها… إنها دمشق الأقدم والأيتم… ملتقى الحلم ونهايته، بداية الفتح وقوافله… شرود القصيدة ومصيدة الشعراء… دمشق التي تتقن كل اللغات، ولا أحد يفهم عليها إلا الله”.
نعم، إنها دمشق.. “دمشق لديها من العشاق ما يكفي حبر العالم، من الأزرق ما يكفي لتغرق القارات الخمس. لديها من المآذن ما يكفي ليتنفس ملحدوها عبق الملائكة، ومن المداخن ما يكفي “لتشحير” وجه الكون… لديها من الصبر ما يكفي لتنتشي بهزة أرضية… لديها من الحبال ما يكفي لنشر الغسيل الوسخ للعالم أجمع، ومن الشرفات ما يكفي سكان آسيا ليحتسوا قهوتها ويدخنوا سجائرهم على مهل… دمشق هي العاصمة الوحيدة في العالم التي لا تقبل القسمة على اثنين؛ في أرقى أحيائها تسمع وجع “الطبالة”، وفي ظلمة “حجرها الأسود” يتسلق كشّاشو الحمام كتف قاسيون ليصطادوا حمامة شاردة من “المهاجرين”…
دمشق مكان واحد؛ فإذا طرقت باب توما ستنفتح نافذة لك من باب الجابية، وإذا أقفل مصلى فلديك مفاتيح باب السريجة، وإن أضعت طريق الجامع الأموي، سادك عليه “كنيسة السيدة”… لا تتعب نفسك مع دمشق ولا تحتار؛ فهي تسخر من كل من يدّعي أنه يحميها ومن يهدد بترويضها… فتود أن تعانقها أو تهرب منها، وتقول جملة واحدة للجميع: إنها دمشق… عاصمة ثورة شعب سوريا.
دمشق تنتصر على القتلة
تصادف في هذه الأيام الذكرى الأولى لانتصار ثورة الشعب السوري البطل… تعيش مختلف مدن سوريا أجواء احتفالية في الذكرى الأولى لانتصار الثورة وإسقاط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، حيث تجمع الآلاف على مدار ساعات يوم الجمعة في الميادين الرئيسية للاحتفال، ورفعوا شعارات تدعم الدولة السورية الجديدة وتؤكد وحدة الشعب السوري.
هل تعلمون في ذكرى ثورة بلاد الياسمين من هي بلاد الياسمين وعاصمة الياسمين؟ أيها التحالف الغادر والهتلريون الجدد وفاشيو “القرنين”، القرن العشرين والواحد والعشرين… مرتزقة وزبانية “نظام البعث الجذموري” المنتحل صفة “دولة”، ومنظومة ما يسمى “ممانعة”… قتلة الأطفال الرضع والنساء والشيوخ، قتلة البشر والحجر، مدّعو شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية بالمقلوب البسيط والمركّب في أكبر عملية تزوير يشهدها تاريخ الفكر الإنساني الحديث في مفهوم وآلية العمل الوحدوي وحرية التعبير ومعنى الاشتراكية… التي أصبحت فيه، وعلى قاعدة معزوفة نظام “الأسدين” الشهيرة في علم الخيانة والتخاذل: (لن نسمح للعدو الإسرائيلي أن يفرض علينا زمان ومكان المعركة)!
ذهب زمن الباميل المتفجرة والمقاومة المنافقة
زمن الكوميديا وسوق الأنظمة “التقدمية” السوداء، أنظمة الحروب والطائرات والصواريخ والدبابات والمدافع الوهمية… الوهمية اللهم إلا في قتل شعوبها… أنظمة مأجورة ومأمورة، وأسلحة لا تعمل ولا تقتل إلا في وجوه وقلوب وصدور وأجساد وعلى رؤوس الأطفال السوريين والفلسطينيين واللبنانيين… أنظمة البراميل المتفجرة القادمة من “سماء” البعث، ومخازن الممانعة ومحور ما يسمى كذبًا وزورًا “مقاومة”… البراميل المتفجرة على رؤوس وشفاه الأطفال الرضع قبل أن ينضج الحليب على الخدين… زمن البراميل المتفجرة في عيون وعلى ضفائر طلبة المدارس والكتب… زمن البراميل المتفجرة على بيوت الناس وبيوت الله كذلك… لا بالله، لا بالله! كيف النار تخفي النار؟!
زمن قذف العدو الصهيوني وكيانه المحتل الغاصب لأرض فلسطين بأسلحة وصواريخ “السح والدح والمبو”، حتى تكتمل “معجزة” الواد طالع لأبوه… الولد القاتل وأبيه القاتل… بقايا مخلفات التيمورلنكية الموضبة بأيدي وأصابع لا تُخفى بعد اليوم على أحد… من محافل “كوروش” الأولى وصولًا إلى بني صهيون هذا الزمان، وأحفاد كوروش الجدد وحلفهم المتجدد والمستجد…
نظام متوحش مهزوم انتقم من شعبه
بقايا عفن التاريخ والمؤامرات التي لم تتوقف حتى تاريخه، وأذكر منها في عصرنا الحديث على سبيل المثال وليس الحصر:
منع قيام، بل إجهاض أي مشروع وحدوي عربي…
وزير دفاع مهزوم في حرب “مصيرية” أطلق عليها مسمى “النكسة” يصبح رئيس إحدى أهم الدول العربية، ويغير اسمه الأخير من “الوحش” إلى “الأسد”…
الغدر برفاقهم وزجهم بالسجون والقبور من أجل متابعة المعركة القومية “العفلقية” في استيراد واستيلاد الحروب المركّبة وقتل الشعوب وتدمير مستقبلها…
وديعة الوحش الكبير، أو ما أصبح يُعرف بحافظ الأسد، لدى الكيان الصهيوني: أي هضبة الجولان الاستراتيجية في الصراع العربي الإسرائيلي، إحدى أهم وظائف الأسد ونظامه المتوحش في تحقيق الدولة العبرية في قلب الشرق…!
إقفال جبهة الجولان، وبشكل “مؤقت”، لأكثر من خمسة عقود، الجبهة الأكثر استراتيجية والأهم جغرافيًا في الصراع مع العدو الإسرائيلي تاريخيًا…
إشعال الحروب الأهلية والطائفية والمذهبية… الحروب العبثية في لبنان وضرب وحدته… كذلك ضربه مع ثورة الشعب الفلسطيني… وقتل وجرح وتشريد مئات الألوف… ناهيكم عن حرق وتدمير وسرقة البلد التي ما زال يعاني من آثارها حتى هذه اللحظة… الحروب المفتعلة التي كان عنوانها وأهدافها الرئيسية حماية الكيان الصهيوني المحتل الغاصب لفلسطين!
تكريس النظام الفئوي–الطائفي–المذهبي–الأقلوي–البعثي–الجذموري في بلاد الياسمين، قلب العروبة النابض، حاضرة العرب، البوابة الشمالية، عاصمة التاريخ… سوريا.
ضرب الثورة الفلسطينية وحركتها الوطنية في أكثر من بلد ومدينة ومخيم… وتصفية قضيتنا المركزية وثورتها… في إحدى أخطر وأهم “التلزيمات” التي قام بها النظام المتوحش في تكريس وقيام الدولة العبرية… تلزيمات الصهيونية العالمية للنظام المتوحش… التلزيم الذي يأخذ في جزئه الثاني تدمير وتقسيم وتفتيت سوريا… في أخطر مراحلنا الوجودية…
سرطان ولاية الفقيه
التحالف الغادر أيضًا، وفي السياق نفسه، مع السرطان القادم من بلاد فارس بقناع “الولي الفقيه”، استمرارًا في محاربة وضرب وتقسيم وتفتيت وسرقة أمة الضاد ولغة القرآن ومهبط الأديان وأرض الحضارات… كذلك إنتاج وإخراج “مقاومة” بديلة في أكبر عملية تزوير تشهدها الشعوب وحركات تحررها…
تحويل ثورة الشعب السوري السلمية من أجل الحرية وبناء مستقبل وحياة أفضل إلى بحور من الدماء العرقية والفئوية والطائفية والمذهبية… والتي أتقنها نظام الأب والابن وأسيادهم… وحلفاؤهم… وأتباعهم… وأزلامهم… وكلابهم المسعورة…
تخطيط وتنفيذ اغتيالات تُعد ولا تُحصى من نخب وقادة وعلماء ومفكري العرب وغير العرب، ميشال سورا مثالًا، والتي ما زال معظمها في ذمة التاريخ… بل في رقبة التاريخ وضميره ومصداقيته… نار تحت الرماد… رماد الشعوب الموؤدة!

