شيعة العقل والضمير: حين حذر العلامة السيد محمد حسن الأمين من سفك الدماء في سوريا ومن سقوط حزب الله

في زمن تنهار فيه المدن كأوراقٍ ذابلة، ويصبح البشر قبل الحجر قابلاً للانكسار، يظهر العقل آخر السلاح الممكن، آخر حصنٍ للضمير.

جنوب لبنان يشتعل باللون الأحمر للانفجارات، والليل يتحوّل إلى مشهد كابوسي حيث الصواريخ تصنع سطور الخراب فوق السطوح، والغبار يختلط بالبكاء.

لبنان اليوم لم يعد بلدًا يُسكن، بل جرحٌ نمشي فوقه على أطراف أصابعنا، كل خطوة تترك أثرًا من الدمار في الروح قبل الجسد.

وفي هذا الدمار، يظهر اسم العلامة السيد محمد حسن الأمين كصرخة عقلية في وجه زمنٍ بلا عقل، رجلٌ لم يقرأ الخراب فحسب، بل تنبّأ به، وحذّر من لحظة سيصبح فيها السلاح عبئًا على الطائفة لا حاميًا لها، ومن تدخل حزب الله في سوريا كشرارة البداية في طريق انهيار لبنان والهوية الشيعية.

صرخة الأمين: القتال في سوريا خرق للضمير الشيعي

حين قرّر الحزب الانخراط في سوريا، لم يكن ذلك مجرد قرار سياسي،كان انقلابًا على كل ما تمثله المقاومة الحقة.

الأمين صرخ بالضمير قبل أن يعلن السياسة،وقالها :القتال إلى جانب نظام ضد شعبٍ خرج يطالب بحريته حرام شرعًا، وخرق للقيم الجوهرية للشيعة، وخرق للإنسانية نفسها.

هذا التدخل لم يكن خطوة دفاعية، بل بداية جرّ الطائفة إلى وحل لم تعهده، نقطة الانطلاق في سلسلة الانهيار التي نراها اليوم، حيث الطائفة رهينة السلاح والولاءات الخارجية، والهوية التي أرادها الأمين عقلانية وحضارية، تحوّلت إلى رهينة خطاب مسلح يبتلع كل عقل.

الجنوب والضاحية… الواقع الذي أثبت النبوءة

في شوارع الجنوب وبيروت والضاحية، البيوت المهدمة، الأطفال المحمّلون بالغبار، الأمهات اللواتي تمسكن بأيدي أبنائهن وسط الركام، كل ذلك يشهد على صدق نبوءة الأمين.

كل صاروخ، كل دمعة، كل شهيد هو تأكيد حيّ على أن السلاح خارج الدولة و التفرد بقرار الحرب و السلم بالاضافة لتدخل الحزب في سوريا كان خطأً استراتيجيًا وإنسانيًا، وجعل الشيعة رهينة، وأصبح السلاح عائقًا، والولاء لحزب أو محور عبئًا ثقيلًا على الهوية.

الأمين صرخ بالضمير قبل أن يعلن السياسة،وقالها :القتال إلى جانب نظام ضد شعبٍ خرج يطالب بحريته حرام شرعًا، وخرق للقيم الجوهرية للشيعة، وخرق للإنسانية نفسها

الدولة غائبة، الحزب حاضر بالسلاح، المواطن وحيد في صمته، والوطن حاضر بالخراب والأكثر مأساوية أن الشيعة الذين أرادهم الأمين عقلانيين، نقديين، أحرار الضمير، وجدوا أنفسهم بين مطرقة إسرائيل وسندان السلاح الداخلي، بين قذائف العدو ووصاية الحزب، بين حب الجنوب ورفض أن يصبح الجنوب ثكنة دائمة.

في الضاحية، حيث تختلط رائحة البارود بالتراب، الأغاني الحزبية تختلط ببكاء الأطفال، يتحوّل الشارع إلى مرآة للصراع بين الولاء القديم ووعيٍ جديد يتمرد بصمت. بائع خضار كان يهتف للمقاومة يوما صار اليوم يهمس لجاره: (يا خيّي بدنا نعيش.) هذا التحوّل الصامت في لغة الناس هو أعنف صفعة للحزب، وأوضح دليل على أن الهوية الشيعية تحتاج لإعادة تكوين قسرية، كما تنبّأ الأمين قبل سنوات.

هوية تبحث عن الدولة… وخارطة الإنقاذ التي تركها الأمين

كل يوم في لبنان حدث سياسي وإنساني، انفجار صاروخ في الليل، صف طويل عند الفرن في النهار، شاب يهاجر، عجوز تنتظر دواءها، أم تبكي شهيدها، وأخرى تبكي ابنها الذي استشهد لانه كان يمر صدفة بالقرب من مستهدف، كل يوم يثبت أن مشروع السلاح لم يعد قادرًا على حماية الطائفة، أو الوطن، أو إنتاج المستقبل.

هنا يظهر فكر السيد الأمين كخارطة إنقاذ،(شيعة بلا سلاح، ديانة بلا وصاية، وطن بلا طوائف مسلّحة، ومواطنة تُستعاد من جديد).

لو وقف الأمين على أطلال الجنوب بعد القصف الأخير، لرأى أن الهوية الشيعية ليست كما يروّج لها الحزب أو الإعلام، بل كما تظهر على وجوه الناس الذين يحملون أحمالهم ويهربون من الموت (بالتزامن مع الإنذار الأخير) ،هوية تبحث عن الحياة، عن الدولة، عن الحرية، عن العدالة، عن الوجود الحر، لا عن البقاء تحت ظل السلاح أو الولاءات الإقليمية.

هذه كانت رؤيته، وهذه هي نبوءته التي تحققت في كل حجر مهدوم، كل شارعٍ محطم، كل دمعة تسقط على تراب لبنان.

لبنان لن ينهض إلا حين يولد (الشيعي الجديد) الذي تخيّله العلامة الأمين (عقلاني، حيّ، واعٍ، مستقل، بعيد عن سلاحٍ يُقيّد ضميره، بعيد عن خطاب المظلومية، بعيد عن سيطرة المحاور، بعيد عن الوصاية السياسية والطائفية).

لو وقف الأمين على أطلال الجنوب بعد القصف الأخير، لرأى أن الهوية الشيعية ليست كما يروّج لها الحزب أو الإعلام، بل كما تظهر على وجوه الناس الذين يحملون أحمالهم ويهربون من الموت

انتاج هوية شيعية جديدة

هذا هو الطريق الوحيد للبقاء، للبناء، لإعادة إنتاج هوية شيعية حقيقية، قائمة على العقل والضمير والإنسانية، لا على الرصاص أو الولاءات الخارجية.

في النهاية، لا ينتصر السلاح ولا الطائفة المسلّحة، ولا الولاء الحزبي أو الخارجي،ينتصر الإنسان فقط.

وحين ينتصر الإنسان، ينتصر الوطن.

وحين يعي الشيعي درس السيد الأمين، يدرك أن المقاومة الحقيقية تبدأ بالفكر والضمير قبل أن تبدأ بالبندقية، وأن كل خطوة خارج هذا الطريق تعيد إنتاج الخراب.

السابق
بعد توقيفه في مطار بيروت.. فنان كوميدي يعتذر: الفيديو مُجتزأ ولم أقصد الإساءة للمسيح!
التالي
فيديو مسرب من جولة بين بشار الأسد ولونا الشبل: «يلعن ابو الغوطة»