لقد تغير العالم بشكل جذري في السنوات الأخيرة، وعلى الاتحاد الأوروبي والغرب عمومًا أن يدركوا حقيقة أن آراءهم لم تعد تُهيمن على منطقة جنوب القوقاز، بل أصبحت دول هذه المنطقة تمتلك الآن القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة وخيارات أكثر تنوعًا. هذه هي الرسالة الأساسية التي أرسلها الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف في منتدى سياسي عُقد في باكو في 9 أبريل/نيسان، حيث أشار إلى أن محاولات الاتحاد الأوروبي التدخل في شؤون المنطقة لم تعد مجدية، وأن مساعي الدول الغربية لتحسين علاقتها مع أرمينيا، في مقابل الضغط على أذربيجان، هي محاولات فاشلة وغير ذات جدوى.
تغيير جذري في السياسة الإقليمية
منذ بداية العقد الثاني من الألفية الجديدة، بدأت ملامح النظام الدولي تتغير بشكل واضح. كانت بعض الدول الغربية، بقيادة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، تهيمن على السياسة العالمية بمفاهيم مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان. ومع ذلك، كان واضحًا أن هذه المفاهيم بدأت تتعرض للاختبار مع تصاعد القوى المنافسة مثل الصين وروسيا، بالإضافة إلى التطورات الداخلية التي شهدتها بعض الدول الغربية نفسها. على سبيل المثال، انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001 عزز مكانتها كمصنع عالمي، وأدى إلى تغيير موازين القوى الاقتصادية الدولية.
ورغم أن الأزمة المالية العالمية في 2008 وسقوط الأيديولوجيات الغربية ساهمت في هذا التغير، فإن صعود قوى مثل الصين وروسيا تحت قيادة شي جين بينغ وفلاديمير بوتين عزز التعددية القطبية في النظام الدولي. وأدى ذلك إلى ظهور مراكز قوة جديدة، جعلت التعددية الحقيقية محل تساؤل. إذ أصبح لدينا “التعددية الجزئية”، التي تشمل مجموعات أصغر ذات مصالح وقيم متقاربة، وهو ما يعكس التوجهات السياسية التي نراها في دول مثل أذربيجان.
أذربيجان: الاستقلالية في اتخاذ القرارات
أذربيجان، على وجه الخصوص، بدأت تبتعد عن أوروبا وتتبنى سياسة أكثر استقلالية. فبحسب تصريحات علييف، كان من السذاجة الاعتقاد بأن القرارات التي تُتخذ في بروكسل ستؤثر على مسار أذربيجان. في منتدى باكو، هاجم علييف ما اعتبره تحيزًا غربيًا تجاه أرمينيا، مستنكرًا مواقف الاتحاد الأوروبي التي انتقدت أذربيجان في ما يتعلق بعملية تحرير أراضي كاراباخ في عام 2023. كما أشار إلى محاولة الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على أذربيجان على خلفية حقوق الإنسان، وهو ما اعتبره نفاقًا، حيث كان الاتحاد الأوروبي نفسه متورطًا في قضايا مشابهة في مناطق أخرى من العالم.
كان علييف يشير إلى أن الغرب لم يتعلم من الماضي، حيث فشل في فهم ديناميكيات المنطقة. فحتى بعد الحرب في أوكرانيا، كانت دول جنوب القوقاز ترفض الوقوف ضد روسيا، حيث لا تُعتبر العلاقات مع موسكو متناقضة مع المصالح الوطنية لهذه الدول. وفي حال أذربيجان، ظهرت سياسة “المصالح أولًا” بدلاً من “القيم”، وهو التوجه الذي تميزت به سياسات العديد من دول العالم في العصر الحالي.
التحول في السياسة الغربية تجاه أرمينيا وجورجيا
علاوة على ذلك، كان هناك تحول في السياسة الغربية تجاه أرمينيا وجورجيا أيضًا. في الحالة الأرمنية، كان الاتحاد الأوروبي يسعى لتقديم الدعم لهذه الدولة في سياق النزاع المستمر مع أذربيجان حول ناغورنو كاراباخ. وبالطبع، لم تكن هذه التحركات ترضي أذربيجان، حيث اعتبرت أن الاتحاد الأوروبي كان يساند أرمينيا بشكل غير عادل.
أما بالنسبة لجورجيا، فقد واجهت الحكومة الجورجية ضغوطًا من الغرب بعد أن ابتعدت عن السياسة الأوروبية، وبدأت في إظهار ميل نحو روسيا. هذا التغير في التوجه السياسي للجورجيين، إلى جانب محاولات الاتحاد الأوروبي التدخل، خلق حالة من التوتر بين بروكسل وتبليسي. وقال علييف في تصريحاته إن القضايا الجورجية يجب أن تُحل من قبل الشعب الجورجي، لا البيروقراطيين في بروكسل. وهذه التصريحات تعكس الاتجاه العام لدى العديد من الدول في المنطقة التي ترغب في اتخاذ قراراتها بناءً على مصالحها الوطنية، دون التدخل الخارجي.
النظام العالمي المتغير وغياب القيادة الأوروبية
بالنظر إلى النظام العالمي الجديد، الذي يتسم بتعدد الأقطاب والمنافسة المتزايدة، فإن الاتحاد الأوروبي يبدو في موقع صعب في جنوب القوقاز. فبينما يروج الاتحاد الأوروبي لفكرة “القيم المشتركة”، إلا أن هذا النهج يبدو بعيدًا عن الواقع في المنطقة، حيث تفضل دول مثل أذربيجان وجورجيا التركيز على “المصالح” بدلًا من “القيم”.
إقرأ أيضا: الساعة الأخيرة للبنان القديم.. زيارة البابا تسبق القرار الدولي الحاسم
كما أن الاتحاد الأوروبي يواصل سياسات متناقضة، خاصة عندما يعامل أذربيجان من منطلق فرض القيم الأوروبية. فدعم أرمينيا على حساب أذربيجان يعكس رؤية غير متوازنة لمصالح المنطقة، الأمر الذي ساهم في تقليص دور الاتحاد الأوروبي في التأثير على الأحداث الإقليمية.
من ناحية أخرى، نجد أن أذربيجان قد طوّرت علاقاتها مع دول أخرى، بما في ذلك تركيا وروسيا، وابتعدت عن الغرب في ظل ما اعتبرته مواقف استعمارية من جانب الاتحاد الأوروبي. وقد تمثل هذا في محاولات الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة فرض عقوبات على أذربيجان، مما دفع الأخيرة إلى تعزيز علاقاتها مع حلفائها التقليديين، مثل تركيا، واكتساب مزيد من الاستقلالية في قراراتها السياسية.
دور الإدارة الأمريكية في التحولات المقبلة
وفي الوقت نفسه، فإن الإدارة الأمريكية تحت قيادة الرئيس جو بايدن تبدو في وضع يتيح لها إعادة صياغة السياسة تجاه جنوب القوقاز. فقد أعرب علييف عن ارتياحه في تصريحات سابقة تجاه سياسة إدارة ترامب، التي كانت أكثر تفهمًا للمصالح الوطنية لأذربيجان، مما يعكس رغبة باكو في الابتعاد عن السياسات التي تعتبرها مفروضة عليها من قبل الاتحاد الأوروبي.
الفرصة الآن أمام الإدارة الأمريكية الجديدة لتقديم دور أكثر إيجابية في المنطقة، من خلال إعادة تقييم علاقاتها مع دول مثل أذربيجان وجورجيا، بما يتماشى مع التغيرات السياسية الجديدة في العالم. في هذه الأثناء، سيبقى الاتحاد الأوروبي في موقف حرج، محاولًا استعادة زخم تأثيره في المنطقة، ولكن ذلك سيتطلب تغييرات جذرية في السياسات تجاه دول القوقاز.
الخلاصة
في النهاية، يُظهر التحول في سياسات جنوب القوقاز كيف أن الدول في هذه المنطقة لم تعد تقبل أن تكون مجرد أدوات في يد القوى الغربية. فقد أصبحت أذربيجان، وجورجيا، وأرمينيا قادرة على تشكيل تحالفاتها الخاصة واتخاذ قرارات مستقلة بعيدًا عن الضغط الأوروبي والأمريكي. وبالنظر إلى التعددية المتزايدة في النظام العالمي، فإن الاتحاد الأوروبي يجب أن يعيد تقييم سياساته في المنطقة، وأن يتعامل مع دول القوقاز بناءً على مصالح مشتركة، لا مجرد قيم مؤدلجة.

