يقول الشاعر التشيلي الكبير بابلو نيرودا: “إذا كان لا شيء سينقذنا من الموت؛ فلينقذنا الحب من الحياة على الأقل”. كلمات نيرودا تعبر عن فلسفة عميقة تختزل مأساة الحياة والموت. فإذا كان الموت قدرًا لا مفر منه، فإن الحب هو الشريان الذي يمنح الحياة معنى ويخفف قسوتها، كأنه الملاذ الوحيد الذي يجعل وجودنا أكثر احتمالًا.
في الحرب… وحكاية ستالين مع البابا
أثناء الزحف الروسي باتجاه برلين في الحرب الثانية، أُبلِغ ستالين بأن البابا يدعوه إلى وقف القتال حقناً للدماء.
سألهم ستالين: كم فيلقاً من الدبابات يمتلك هذا البابا؟
قالوا: يمتلك الدعاء والصلوات.
قال: إذن، أكملوا الزحف…
مهدي عامل والزمن المكسور
يقول مهدي عامل: “في الصفر الكلي يتوقف الزمن عن دورانه: لا الماضي يمضي، ولا الآتي يأتي. والزمن لا يراوح مكانه. يتصدّع وينهار، ولا يتضح غير المستحيل، من جهتين معاً: ما كان يتكرر لم يعد يتكرر، والأفق بلون غامض، إنه زمن مكسور من جهة الماضي، مبتورٌ من جهة المستقبل، والحاضر فيه يتفتّت. فليتهافتْ كل العقل: صرخة يطلقها فكر ظلامي يلبس وجه الفكر العدميّ، ويرفع، ضد العقل، راية ما يسميه “المُعاش”، ويهزأ بالمعرفة العلمية التي لا يرى فيها إلَّا توضيباً أو تعليباً (يسحق الحياة ويُفقدها نكهتها). وما هذا «المعاش» الذي راح يستحضره محبّرو الصفحات الثقافية في الآونة الأخيرة، بعد غيبة طالت في أرشيف اللغة الفلسفية الوجودية، سوى حاضر يحنّ إلى ماضٍ يستذكره فكر يخجل من إعلان حنينه. إنه الممكن الأوحد، هذا الذي، في الصفر، بات المستحيل”.
في معنى العقل والظلام والخيال
عندما ترتفع قيمة الكلمات إلى مستوى العقل البشري المنفتح، والمنطق المنطقي، يصبح الظلام لا معنى له في الحياة الواقعية… المنطق العلمي ينفي العقل والتفكير الظلامي، ويصنع الخيال الذي يجعل الإنسان أكثر قدرة على التعبير الفعلي ليثور على الواقع الظلامي… في عالم الواقع المستقبل يبدأ ويبقى رهانًا جديدًا يحمل معنى الحياة الواقعية… الحلم الحقيقي لتطور الإنسان وإدراكه أن العالم يتغير ويتحرر من الظلام والعبث… والتفكير الاجتماعي الإيجابي نحو التغيير نحو الأفضل… نحو الخروج من قفص التبعية العمياء للأفكار المظلمة في أيامنا السوداء هذه… الذين أصبح هناك وهنا من يستكثر على الشعوب شربة الماء ورغيف الخبز من أجل تحقيق مشاريعه الشيطانية السوداء…
زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان: حدث استثنائي
حدث زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان يوم الأحد القادم سيكون حدثًا تاريخيًا بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وخصوصًا في ظروف لبنان الوجودية هذه… زيارة الحبر الأعظم إلى مطار رفيق الحريري الدولي مساء الأحد 30 نوفمبر، والتحضير المُسبق لاستقبال رسمي كبير، وجدول حافل يشمل لقاءات مع الرئيس والبرلمان والحكومة، وزيارات إلى دير القديس مارون في عنايا، ومزار سيدة لبنان في حريصا، بالإضافة إلى صلاة صامتة في موقع انفجار مرفأ بيروت… وتقديم القداس في الواجهة البحرية مع المؤمنين بلبنان يتقدمهم أهالي الضحايا حدث تاريخي بحد ذاته.
أهداف الزيارة ودلالاتها:
الكثير من اللبنانيين شعروا بأن العالم ينظر إليهم، وأن الفاتيكان يقف بجانبهم في أوقات الأزمة المستمرة… هذه الرسالة من “بابا السلام” من أجل إعطائهم جرعة الأمل والسلام الكبيرة في أيام الميلاد المجيدة، خاصة بعد سنوات من الانهيار الاقتصادي والحرب العبثية التي اُبتلي فيها البلد كله منذ عقود وعقود…
حوار أديان ومصالحة
جدول زيارات البابا المنتقاة والمجدولة بعناية للقاء والاجتماع مع قيادات من مختلف الطوائف المسيحية والإسلامية في ساحة الشهداء، من أجل التأكيد على ضرورة الوحدة والتعايش، وهو ما يعزز دور لبنان كجسر حضاري تاريخيًا بين الأديان في المنطقة العربية والشرق أوسطية والعالم.
تسليط الضوء على قضايا محلية
نعم، تسليط الأضواء حتى على قضايا محلية تشمل على سبيل المثال وليس الحصر زيارته إلى مستشفى راهبات الصليب في جل الديب ومشاركته في الصلاة عند موقع انفجار المرفأ كما ذكرنا أعلاه من أجل تسليط الضوء مجددًا على معاناة الضحايا وضرورة تحقيق العدالة للجميع، وخصوصًا بلسمة جراحات أهالي الضحايا التي ما زالت تنزف دمًا ودموعًا…
النتيجة السياسية المرجوة
في ظروف بلد مثل لبنان، حيث الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية والمالية أكثر تعقيدًا مما يتخيلها البعض… يشيد الكثيرون بالجهود المكثفة التي سوف يبذلها كل مسؤول حريص على بقاء لبنان الذي نعرفه… إلا أن بعض المحللين يشيرون إلى أن الزيارة لن تحقق اختراقًا سياسيًا كبيرًا؛ فقد جاءت في وقت تشتد فيه الأزمات الداخلية ولن تتمكن من دفع عملية الإصلاح أو حل الأزمة الأمنية في الجنوب في أقل تقدير لتعنت إسرائيل وإيران بالقياس إلى مصالحهما الظاهرة والباطنة!
ما بين النجاح الروحي والمحدودية السياسية
بأختصار شديد، تقول مصادر سياسية وإعلامية محلية وعربية ودولية عديدة إن الزيارة لن تلقى في هذه المرحلة سوى نجاحًا روحيًا وإعلاميًا هائلًا، تعيد إلى لبنان شعورًا بالاعتراف الدولي ودعم الفاتيكان الدائم له، لكن تأثيرها السياسي سيظل محدودًا وسط واقع العواصف السياسية القادمة والأجواء العسكرية المضطربة والمشحونة التي يواجهها البلد على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخارقة/الحارقة كما يقول “العسكريون” في توصيف الوضع اللبناني الحالي..!
السؤال المعلَّق: أين يقف الزمن؟
وهنا يُطرح السؤال البديهي الذي يقول في هذه المرحلة غير البديهية:
هل صحيح إذن، “أن الأشياء لم تعد ممكنة”. لكنها الأشياء من جهة الماضي، أي من جهة الزمن المكسور المبتور المتوقف في الحاضر، في تعطّل حركة التكرار فيه. قِفْ في الصفر، وحدّق في الصفر بعين الصفر، ترَ الغامض في الآتي، والواضح في الذاهب في الموت. فالمرئي بهذه العين، ومن موقع ذاك الفكر، هو الماضي في وضوح هو “الوضوح الفاشي”… نعم، في وضوح هو الوضوح الفاشي، وخصوصًا أولئك الذين يتاجرون ويشترون ويبيعون ويتربصون شرًا في هذا الوطن من أبنائه المفترضين… ومن أعدائه جميعًا..!

