يواجه لبنان أزمة وجودية متعددة الأوجه، وتبرز قضية “الاستغلال الإيراني” للبيئة الشيعية في كواحدة من أكثر العوائق تعقيداً أمام استعادة الدولة لسيادتها ووحدتها الوطنية.
فبينما يتم تقديم العلاقات الإيرانية للبنان على أنها “دعم المقاومة”، تأخذ هذه العلاقة شكلا من أشكال النفوذ والسيطرة الإيرانية على الشيعة في لبنان، وشكلا من أشكال الاحتواء السياسي والاقتصادي والعسكري لطائفة لبنانية عريقة، وتحويل ولائها من الدولة اللبنانية إلى مشروع إقليمي لا يخدم سوى أجندات إيرانية.
وجاءت التصريحات الأخيرة لعلي ولايتي مستشار المرشد الإيراني لتؤكد استمرار طهران بالاستغلال السياسي للشيعة في لبنان تحت مسمى “دعم المقاومة” وحزب الله، وقال ولايتي في تصريحه الأخير أنّ وجود حزب الله في لبنان “لا غنى عنه” لمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية.
وأضاف: “إنّ وجود الحزب بالنسبة للبنان بات اليوم “أكثر ضرورة من الماء والخبز”، معتبرًا أنّ الحزب كان “منقذًا للشعب اللبناني” في محطات أساسية”.
إقرأ أيضا: لبنان بين معادلتين: إنقاذ الطائفة..وإنقاذ الوطن
هذه التصريحات وما سبقها من تحريض لحزب الله على الرد على اغتيال هيثم الطبطبائي، تؤكد استمرار طهران في مسارها الخطير بتوريط الشيعة في لبنان بالمزيد من الخيارات المدمرة، في وقت ما زالت الطائفة الشيعية تدفع قيمة الفواتير الباهظة لـ”حرب الإسناد” و “وحدة الساحات”، فيما وقفت إيران متفرجة على الدم الشيعي طوال عام من الحرب التي لم تنته باغتيال الأمين العام السابق لحزب الله السيد حسن نصر الله فحسب، بل استمرت وتستمر حتى اليوم.
جذور التبعية وتكريس “الدويلة”
منذ تأسيس حزب الله بدعم إيراني في ثمانينات القرن الماضي، نجحت طهران في بناء “أداة” محلية تُدير عبرها نفوذها في لبنان. هذا النفوذ تجاوز الدعم المالي واللوجستي ليصبح سيطرة شبه كاملة على القرار السياسي والأمني والاقتصادي للطائفة الشيعية، ولسيادة الدولة اللبنانية ككل.
السيطرة الشاملة:
عمل الحزب، بتمويل إيراني، على بناء مؤسسات موازية للدولة، تشمل شبكات اجتماعية، صحية، تعليمية، وبنية عسكرية قوية تفوق قدرة الجيش اللبناني.
هذا النظام الموازي جعل قطاعاً واسعاً من المجتمع الشيعي يعتمد على هذا النفوذ لتأمين مقومات حياته، مما يعزز الولاء للجهة الممولة (إيران وحزب الله) على حساب الدولة اللبنانية.
تغييب الصوت المعارض:
يسود اعتقاد بأن الخطاب السياسي والإعلامي داخل هذه البيئة أصبح موجّهاً بحيث لا يتيح مساحة كبيرة للنقد أو المعارضة الجدية للقرار الإيراني، ويتم شيطنة أي صوت شيعي وطني يطالب بالحياد والسيادة اللبنانية.
استنزاف الأجيال:
وطالما جرى ومنذ عقود توظيف البيئة الشيعية في صراعات إقليمية (كالحرب في سوريا)، وتحويل أبنائها إلى “وقود” لأهداف إيرانية، وهي لم تكن يوما في مصلحة الطائفة بل جعلت من الطائفة الشيعية في لبنان مكونا بعيدا عن الدولة اللبنانية، والمصالح الوطنية للبنان.
التحرر من هذا الاستغلال؟
إن التحرر من هذا النفوذ ليس مهمة سهلة، مع الإصرار الإيراني من جهة، ومع إصرار حزب الله على التبعية لإيران من جهة ثانية، ولا شك أن الخروج من المستنقع الإيراني يتطلب مساراً متعدد الأوجه يجمع بين الضغط الخارجي والإرادة الداخلية وتفعيل أدوات الصوت الشيعي “الوطني” الذي يؤمن بالسيادة اللبنانية الكاملة والحياد، ورفض التبعية الإيرانية، والانتماء للدولة اللبنانية وحدها.
كما لا يمكن تحرير الطائفة إلا بعودة الدولة القوية ذات السيادة الحصرية. هذا يتطلب تطبيقاً كاملاً لـ اتفاق الطائف، وإصلاحات جذرية تنهي الفساد، وتبني جيشاً لبنانياً هو الوحيد المخول بحمل السلاح والدفاع عن الحدود.
رسالة المرجع السيستاني:
وقد عبّرت رسالة المرجع الأعلى السيد علي السيستاني إلى القيادة الإيرانية عن خطورة ما يعانيه الشيعة في لبنان من استغلال في بازار السياسات الإيرانية، وربما استشعر السيستاني الخطر المحدق وراء ذلك، محذرا من حساسية المرحلة التي تمرّ بها الطائفة الشيعية في لبنان، ومحذّراً من أن الظروف الراهنة باتت «حرجة جداً» وتتطلب حماية عاجلة.
واعتبر السيستاني في رسالته أنه لا يجوز ترك المجتمع الشيعي اللبناني عرضة لحرب جديدة، لما قد يترتب على أي مواجهة من موجات تهجير إضافية، وتدهور في أمن القرى والبلدات، وتعاظم هشاشة البيئة الاجتماعية التي أنهكتها الحرب طوال الأشهر الماضية.
إقرأ أيضا: مسؤول إيراني بعد اغتيال الطبطبائي: عدنا إلى 7 أكتوبر.. اتُّخذ القرار مجددا
إن إخراج شيعة لبنان من دائرة الاستغلال الإيراني لا يعني عزلهم، بل يعني تحرير قرارهم الوطني ودمجهم بالكامل ضمن المؤسسات الشرعية للدولة اللبنانية، كجزء أساسي وفاعل من النسيج اللبناني.
هذا التحرير يبدأ من الإرادة الداخلية في رفض تحويل لبنان إلى ساحة صراع، وتوفير البديل الوطني الذي يعيد السيادة الحقيقية لشعب لبنان بكل مكوناته.
إن مصير لبنان ككيان مستقل يتوقف على قدرته على التحرر من منطق الوكالة الإقليمية، والعودة إلى الشراكة الوطنية الكاملة.
وبما تمثله مرجعية السيد علي السيستاني فإن رسالته اليوم تصلح للبناء عليها في رفض أي موقف إيراني يريد جرّ الشيعة في لبنان إلى خيارات جديدة مدمرة.

