في قلب عاصفة سياسية وإقليمية لا تعرف الرحمة، خرج نواف سلام اليوم ليضع النقاط على الحروف،لبنان لن يُحكم من الخارج، ولن يكون رهينة لأي جدول أعمال، أميركي كان أم إسرائيلي أم داخلي.
هذه ليست جملة سياسية عابرة، بل إعلان سيادة حقيقي في زمن يختلط فيه الحلم بالتهديد، والقرار الوطني بالابتزاز الدولي.
سلام بين هجومين… وموقع الدولة وسط النيران
سلام يواجه اليوم هجومًا مزدوجًا من بيئة الحزب التي ترى فيه تهديدًا لمكتسباتها و تتهمه بالخضوع و الخيانة، ومن خصوم الحزب الذين يتهمونه بالتردد أو العجز.
ومع ذلك، الرجل يتصرف كما يجب أن يتصرف أي رئيس حكومة في دولة تواجه حرب استنزاف من طرف واحد،بحكمة، بوعي، وبقراءة دقيقة للواقع، بعيدًا عن الصخب الإعلامي والمزايدات الشعبوية.
تصريحاته اليوم بأن (نحن من وضعنا المهل)جاء بعد ساعات من تلويح أميركي بموعد نهائي لنزع سلاح حزب الله، ليقول بوضوح ان لبنان هو من يقرر جدول أعماله، وليس أحد آخر.
هذه ليست مسايرة لأحد، بل رفض مزدوج،رفض الانصياع للحزب، ورفض تنفيذ الأوامر الأميركية بحرفيتها.
إنها ممارسة فعلية للسيادة، لا شعارات جوفاء.
سلام يواجه اليوم هجومًا مزدوجًا من بيئة الحزب التي ترى فيه تهديدًا لمكتسباتها و تتهمه بالخضوع و الخيانة، ومن خصوم الحزب الذين يتهمونه بالتردد أو العجز
خارطة الطريق: ثلاث مراحل لحصر السلاح
سلام لم يُعلن اليوم خطة جديدة، بل أعاد التأكيد على الخطة القانونية التي انطلقت بعد وقف العمليات العدائية قبل عام:
١-المرحلة الأولى في جنوب الليطاني لإزالة البنى العسكرية
٢-المرحلة الثانية في شمال الليطاني لاحتواء السلاح
٣-المراحل اللاحقة لبقية المناطق لاحقًا، بما يراعي قدرات الجيش وإمكاناته المحدودة
هذا التأكيد يُظهر أن سلام يمارس المسؤولية بحرفية الدولة،البطء ليس إرادة تأجيل، بل واقع محدوديات الجيش، والقيادة السياسية تعترف بذلك وتعمل على دعم الجيش دوليًا وإقليميًا لتعزيز قدراته وتسهيل مهمته.
أي تلاعب إعلامي يخلط بين البطء والتباطؤ السياسي، يُسحق هنا بالحقيقة، فالدولة تعمل ضمن القانون والواقع، وليس ضمن انفعالات خارجية أو شعارات شعبوية.
سلام… صوت الدولة في زمن الانهيار
هجوم خصومه مزدوج أيضًا يكشف مستوى الصعوبة فبيئة الحزب ترى فيه تهديدًا مباشرًا لمكتسباتها وخصوم الحزب يرونه غير جريء بما يكفي لنزع السلاح فورًا.
لكن الحقيقة واضحة ان سلام لا يعمل لأحد سوى الدولة اللبنانية.
هو لا يساير الحزب، ولا يخضع للأميركي، بل يقود الدولة ضمن أطرها القانونية، ويوازن بين الضغط الدولي والتهديد الداخلي، وبين السعي للاستقرار والسيادة.
الجوهر السياسي لما قاله اليوم يذهب إلى أبعد من تصريحات عابرة فالسيادة ليست انتقائية، ولا يمكن تطبيقها جزئيًا والدولة لا يمكن أن تطالب بنزع السلاح غير الشرعي بينما تنفذ تعليمات الخارج حرفيًا والقرار السيادي يبدأ بالوقوف على أقدام الدولة أولاً، قبل التذلل لأي قوة خارجية.
سلام وضع المعادلة أمام الجميع،السلاح يجب أن يُحصر، والسيادة يجب أن تُصان ،أي توازن بين القوة والشرعية، بين القانون والواقع، بين الضغط الداخلي والخارجي، بين الاستراتيجية والعمليات الميدانية.
هذه ليست شجاعة خطابية، بل حكمة رجل دولة في أقصى درجات التحدي.
في لحظة الانهيار العام، حين يختلط السياسيون المحليون بدور الوسطاء بين القوى الإقليمية، يبرز سلام كصوت العقل،حديث الدولة في زمن السلاح،
سلام وضع المعادلة أمام الجميع،السلاح يجب أن يُحصر، والسيادة يجب أن تُصان ،أي توازن بين القوة والشرعية، بين القانون والواقع، بين الضغط الداخلي والخارجي، بين الاستراتيجية والعمليات الميدانية.
حديث السيادة في زمن الضغوط، حديث القرار الوطني في زمن الإملاءات الدولية.
لبنان لم يخرج بعد من العاصفة، لكن للمرة الأولى منذ سنوات، قال رئيس حكومة بصوت الدولة لا الميليشيات، وبحكمة القانون لا الانفعال، وبشجاعة السيادة لا الخضوع: نحن نقرر.. وليس أحد غيرنا.

