لبنان بين معادلتين: إنقاذ الطائفة..وإنقاذ الوطن

جاد الاخوي

في خضمّ العاصفة السياسية والأمنية التي يعيشها لبنان، تتكرّر الأسئلة حول موقع الطائفة الشيعية في المعادلة الوطنية، وكيف يمكن تفكيك العقدة التي شلّت الدولة وأبقت الجنوب والبقاع رهائن للصراعات الإقليمية والمقايضات الدولية. الحقيقة البسيطة التي يحاول البعض تجاهلها هي التالية: لا حلّ للوضع الشيعي دون حلّ وطني شامل، ولا حلاً وطنيًا دون الشيعة. كل محاولة لتجاوز هذه الحقيقة، سواء عبر الإقصاء أو عبر الاستفراد، سقطت تاريخيًا وستسقط اليوم أيضًا.

المعضلة الشيعية

فالملف الشيعي في لبنان ليس مسألة ثانوية ولا تفصيلًا سياسيًا يُدار بالترقيع. هو في جوهره نتيجة تراكم طويل من التهميش، ثمّ من الاستثمار السياسي في هذا التهميش، وصولًا إلى بروز قوى مسلّحة ملأت فراغ الدولة فصارت بديلاً عنها. هذا المسار لم يكن قدَرًا، بل كان قرارًا: قرار دولة ضعيفة، وأحزاب استغلت ضعفها، وبيئة حُمّلت وحدها أثمان الحروب والصراعات. من هنا، يصبح مستحيلًا معالجة التوترات داخل الطائفة الشيعية بمعزل عن معالجة أزمة الدولة نفسها.

لكن في المقابل، لا يمكن إنجاز أي حل وطني حقيقي بدون الشيعة، لا عدديًا ولا سياسيًا ولا جغرافيًا. فهم يشكّلون المكوّن الأساس في الجنوب والبقاع، وهما المنطقتان الأكثر حساسية من الناحية الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية. كما أنهم ركن رئيسي في السلطة التنفيذية والتشريعية، وفي بنية النظام الطائفي نفسه. تجاهلهم يعني عمليًا تجاهل نصف المعادلة الداخلية ونقطة الارتكاز في الصراع الإقليمي. ولذلك، فإن أي حل يُفرض عليهم أو يتجاوزهم يولّد انفجارًا جديدًا لا استقرارًا دائمًا.

المدخل الطبيعي لأي مشروع إنقاذ وطني يمرّ عبر فك الارتباط بين “المسألة الشيعية” وبين الأدوار الإقليمية المفروضة على لبنان. ليس المطلوب ضرب الطائفة ولا عزلها، بل تحريرها من معادلة “العمق الإيراني” التي حوّلت الجنوب إلى ساحة، والبقاع إلى ممرّ، والبلد إلى ورقة تفاوض. هذه ليست مصلحة الشيعة ولا مصلحة لبنان. فشيعة الدولة أقوى من شيعة المحاور، وشيعة السيادة أقوى من شيعة السلاح، وشيعة الشراكة أقوى من شيعة الاحتكار.

مشروع سياسي شيعي مستقل

لكن هذا المسار لا يتحقق بشعارات عاطفية ولا بانتظار المتغيرات الخارجية. يحتاج إلى مشروع سياسي شيعي مستقل يحاكي وجع الناس ويعبّر عن أولوياتهم: الدولة، الخدمات، الاقتصاد، الأمن، التعليم، والعيش الكريم. يحتاج إلى معارضة شيعية حقيقية، لا إلى أصوات مقطّعة وملاحقة، بل إلى قوة سياسية منظّمة تُعيد تمثيل الشيعة داخل الدولة، لا عبر السلاح ولا عبر الزعماء الذين صادروا القرار، بل عبر الأدوات الدستورية والانتخابية والمؤسساتية.

من الجهة الأخرى، يحتاج أيضًا إلى مشروع وطني يعترف بحق الشيعة في الشراكة الكاملة، لا شراكة “الضرورة”. فالحل الوطني لا يُفرض على الطائفة بل يُبنى معها، كما يُبنى مع كل المكوّنات. ولأن الصيغة اللبنانية قائمة على التوازن لا الغلبة، فإن أي محاولة لإعادة بناء الدولة من دون الشيعة ستسقط كما سقطت محاولات سابقة. لبنان لا يُحكم بالإلغاء، ولا يُنقذ بالإقصاء.

الشيعة اليوم أمام مفترق طرق: إمّا البقاء أسرى محور يزجّ بهم في حرب مفتوحة لا نهاية لها، أو الانتقال إلى مشروع وطني يعيد إدماجهم في الدولة. واللبنانيون جميعًا أمام خيار واضح: إمّا اعتبار الشيعة جزءًا من المشكلة فقط، أو جزءًا من الحل أيضًا. والحقيقة أنّ هذه الطائفة تستحق أن تكون شريكة في صناعة الدولة لا متهمة دائمًا، ومكوّنًا مؤسِّسًا لا عامل تعطيل.

إنّ طريق الإنقاذ يبدأ من هنا: اعترافٌ متبادل، مشروعٌ وطني جامع، وتمثيلٌ شيعي مستقل يعيد التوازن إلى المعادلة اللبنانية.

عندها فقط يمكن للبنان أن يخرج من أزمته، وللطائفة الشيعية أن تستعيد دورها الطبيعي داخل الدولة لا خارجها.

فلا حلّ للوضع الشيعي من دون حلّ وطني… ولا حلًّا وطنيًا من دون الشيعة.   

   

السابق
بالفيديو: انفجار في إدلب في سوريا وإصابات بين المدنيين
التالي
انشقاقات مرتقبة داخل قيادة حماس: صراع رؤيتين عند مفترق مصيري