كِتابُ «الإستبداد المُستَدام».. دعوةٌ مُلحَّة إلى فَصل الدِّين عن الدّولة في لبنان

غلاف كتاب

الأزمة السياسيّةُ والإقتصاديّة والإجتماعيّة الخانقة، التي ما زالت تعصف بلبنان منذ خمس سنوات وحتّى اليوم، اتّخذ منها الباحثُ والكاتب اللبناني الدكتور علي دعيبس موضوعاً لِكتابه الجديد، ألصّادر حديثاً عن “دار الفارابي” في بيروت، في طبعة أولى 2025، تحت عنوان: “الإستبداد المُستدام (هيمنة طوائف ونظام)”.

إطار سلطوي عربي لفهم الأزمة اللبنانية

ويعالِج دعيبس هذه الأزمة في هذا الكتاب من خلال وضعِها في إطارها السلطويّ العربيّ التاريخيّ العام والشامل. ما مكّنه من الوقوف على جذورها الحقيقيّة، المتمثّلة بِهيمنة الطوائف اللبنانية، والنظام اللبناني الطائفي الحاكم، على الدولة اللبنانية.

الحلّ الجذري: فصل الدين عن الدولة

لذا فإنّ دعيبس يضَع حلاًّ جذريّاً شاملاً للخروج من هذه الأزمة، في هذا الكتاب الذي مضمونه بالكامل (جملة وتفصيلاً) هو دعوة صريحة ومُلحّة مبثوثة في كلّ ثنايا صفحاته، التي تُبلوِر معطيات هذا الحلّ الجذريّ، الذي هو: “فَصلُ الدِّين عن الدّولة” في لبنان، هذا الفصل “الذي يعني إلغاء الطائفية السياسية عندنا”. (ص 216).

تكوين الحضارات العربية وتطابق المجتمعات

وكِتاب “الإستبداد المستدام” تتألف محتوياته من: مقدّمة؛ و13 فصلاً. ومما جاء في مقدمة هذا الكتاب نورد ما يلي:

قامت الحضارات في الأقطار العربية منذ أكثر من أربعة آلاف عام. ومنذ البداية، راحت هذه الحضارات تتفاعل فيما بينها، خاصّةً تلك التي ازدهرت في مصر وفي الشرق الأوسط وبلاد ما بين النّهرين. وبمرور الزّمن، راحت عادات وتقاليد ومفاهيم أبناء هذه المناطق تتماثل إلى أن غدت متطابقةً إلى أبعد الحدود. وفي الوقت الحالي تُدعى شعوب هذه الأقطار بالشعوب العربية…

تشابه معطيات الأزمة اللبنانية مع المحيط العربي

وحول تطابُق عادات وتقاليد ومفاهيم الشعوب العربية يُقدّم الكاتب معطياتٍ تاريخية في مقدمة هذا الكتاب، “لأنّ حالنا في لبنان لا يختلف عن حال بقيّة الأقطار العربية، ماضياً ولا حاضراً، ولأنّ هذه المعطيات هي سبب الأزمة التي تعصف بهذا الوطن الصغير منذ ستّ سنوات ولا تزال. وبما أنّنا نرى أنّ هذه الأزمة لن تشهد حلاً إلاّ بإلغاء الطائفية السياسية المعتمدة عندنا، تطرّقنا لتكوُّن الطوائف اللبنانية ولعلاقات هذه الطوائف فيما بينها، ولارتباطاتها بالقوى الخارجية عبر التاريخ، ولِما عليه الحال في الدولة اللبنانية هذه الأيام.

الأزمة المستمرة وضرورة التسمية الواضحة للأسباب

منذ خمس سنوات وحتى اليوم، تعصف بلبنان أزمة سياسية وإقتصادية وإجتماعية خانقة… والحال أنّ هذه الأزمة التي نعيشها اليوم ليست الأولى التي يشهدها هذا البلد الصغير. ومن هنا نرى أنّه لا بدّ من استكشاف الوسيلة التي تتيح للبنان التّخلص من هذا النّمط من الأزمات التي تضربه من حينٍ لآخر. وبما أنّ الأزمات ستودي بلبنان كدولةٍ إن لم يكن عاجلاً فآجلاً، فإنّنا سنُسمّي الأشياء بأسمائها دون مراعاةٍ لأنّ بقاء الوطن فوق كلّ اعتبار.

اتفاق الطائف: دستور لم يُطبَّق

في العام 1990، بعد أن كان قد مضى على الحرب التي شهدها لبنان خمس عشرة سنةً، اجتمع أسياد لبنان في الطائف في المملكة العربية السعودية حيث أقرّوا وثيقةً غدت الدستور الجديد للجمهورية اللبنانية. لكنّ بعض بنود هذا الدستور المُعدّل لم تبصر النور حتّى الآن، ولا شكّ في أن عدم تنفيذ بنود هذا الدستور كافة هو في جوهر الأسباب التي أدّت إلى الأزمة الخانقة التي يعيشها اللبنانيون هذه الأيام.

البنود التي لم تُنفّذ: الطائفية السياسية

البنود التي لم تنفَّذ تتعلّق بإلغاء الطائفية السياسية، لأنّ تنفيذ هذه البنود ولو جزئيّاً سيحدّ من هيمنة السياسيين ورجال الدين على الوطن والمواطنين.

خاتمة المقدمة: لا مفرّ من الحلّ العلماني

وينهي الكاتب مقدمة هذا الكتاب بالقول: بما أنّ الصراعات الطائفية الدموية ما برحت تتكرّر منذ الأعوام 1840 – 1860، فإنّ الحلّ الوحيد، حسب رأيي، الذي يتيح للدولة اللبنانية، أرضاً وشعباً، التّخلص من هذا النمط من الصراعات يكمن في إلغاء الطائفية السياسية. لذلك – يتابع الكاتب قوله موضحاً –: على اللبنانيين الاقتناع بهذه الحقيقة مهما كانت مُرّةً، ولا بدّ من أن يُرافق هذا الاقتناع اقتناعٌ أعمق بأنّه لا مفرّ من النظر إلى المستقبل بتفكيرٍ جديد يضع جانباً الموروث الفكري والنفسي والإجتماعي المتجذِّر في هذه المنطقة منذ آلاف السنين. زمن فصل الدين عن الدولة قد حلّ، وما من مجالٍ يتيح معاندة مسار التاريخ. (على ما يؤكِّد دعيبس).

السابق
مؤتمر «حركة تحرُّر»: لإعادة تقييم العلاقات اللبنانية – الإيرانية ومنع تدخلات النظام الإيراني وتبنّي خيار السلام للبنان
التالي
السيستاني يدخل على خطّ الأزمة اللبنانية: رسالة تحذير إلى طهران لحماية شيعة لبنان