منذ عملية “طوفان الأقصى”، بات التغيير الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط حتميًا. مشروعان كبيران يتقاتلان على الأراضي العربية، التي تدفع أثمانًا باهظة نتيجة لتدخلات أجنبية تسعى للهيمنة على هذه المنطقة الحيوية. وعلى الرغم من أن هذه المشاريع غالبًا ما تكون وهمية وغير قابلة للتحقيق، إلا أن القوى الكبرى في العالم تعمل على فرض أجنداتها الخارجية الخاصة، مما يزيد من تعقيد الوضع في المنطقة.
لقد عجزت العديد من القوى الإقليمية والدولية عن الوقوف بصراحة وشجاعة للإعلان عن فشل المشروع الإيراني وتقدّم المشروع الإسرائيلي. فعلى الرغم من الدعم الأمريكي الكبير للمشروع الإيراني في مرحلة ما، إلا أن التوجهات الجديدة في واشنطن تساهم في إضعاف هذا المشروع لصالح مشاريع أخرى تهدف إلى إعادة ترتيب المنطقة وتنظيمها بما يتوافق مع المصالح الاستراتيجية العالمية. هذا التغيير الجيوسياسي يعكس تحولًا في أولويات القوى الكبرى تجاه منطقة الشرق الأوسط، حيث باتت الولايات المتحدة تنظر إلى المنطقة بشكل مختلف، مع التركيز على الاستقرار الأمني وتطوير العلاقات الاقتصادية مع الدول ذات النفوذ المتزايد.
صعود المشروع الإيراني وهزيمته
المشروع الإيراني، الذي كان مدعومًا من الغرب في بداية الألفية، كان يهدف إلى تعزيز النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط عبر رعاية القضايا الفلسطينية والتمسك بمكوناتها الشيعية داخل الدول العربية. منذ عام 2001، بدأت الإدارة الأمريكية بقيادة جورج بوش الابن بتبنّي سياسة دعم “الدويلات” على حساب الدول الكبرى، مما ساهم في تفكيك هويات الدول القومية في المنطقة. هذا التوجه الأمريكي كان يهدف إلى خلق بيئة من الصراع والانقسامات داخل العالم العربي، حيث تُسهل “الدويلات” أو “الكيانات الطائفية” تحكّم إسرائيل بالأوضاع الإقليمية.
لقد استفادت إيران من هذا التوجه الأمريكي، وبنت تحالفات قوية مع الأقليات الشيعية في مختلف أنحاء المنطقة. وتمكنت من بناء بنية عسكرية ولوجستية قوية عبر تشكيل مليشيات مسلحة في العراق وسوريا واليمن ولبنان، مستفيدة من الأموال المجمدة والمعونات الغربية. لكن مع وصول الرئيس دونالد ترامب إلى السلطة، وخصوصًا بعد انسحابه من الاتفاق النووي في 2018، بدأ التحول الكبير في السياسة الأمريكية تجاه إيران، حيث اعتبرت إدارة ترامب أن طهران أصبحت تهديدًا حقيقيًا للمصالح الأمريكية في المنطقة.
سياسة ترامب تجاه إيران
منذ ذلك الحين، بدأت الولايات المتحدة في تقويض نفوذ إيران عبر الانسحاب من الاتفاق النووي وفرض عقوبات اقتصادية قاسية. هذا التوجّه كان يهدف إلى تفكيك تحالفات إيران مع “الدويلات” والطوائف المختلفة، مما أدى إلى تراجع نفوذها. وبالتوازي، تبنّت واشنطن فكرة السلام والتعاون بين الدول العربية المعتدلة وإسرائيل عبر “اتفاقيات إبراهيم”، التي شكّلت نقطة تحوّل استراتيجية في الإقليم.
مع وصول ترامب، بات واضحًا أن الولايات المتحدة ستتعامل مع الدول العربية ذات النفوذ الإقليمي بدلًا من دعم المشاريع الطائفية والتفكيكية. ومع هذا التحوّل، سعت واشنطن إلى تقويض مشروع إيران الطائفي وإعادتها إلى حجمها الطبيعي كدولة تتفاعل مع التوازنات الإقليمية.
تحولات إيران في ظل المواجهة مع أمريكا وإسرائيل
لكن حادثة “طوفان الأقصى” عام 2023 كشفت عن سوء تقدير إيران لمواقف أمريكا وإسرائيل. حاولت طهران ابتزاز واشنطن عبر التهديد باستفزازات ضد إسرائيل، لكن الحسابات الإيرانية لم تُدرك قدرة أمريكا وإسرائيل على الردّ الحاسم. وفي النهاية، تعرّضت إيران لهزيمة واضحة على يد إسرائيل، مدعومة بتغطية أمريكية وأوروبية وروسية وصينية. هذه الهزيمة كشفت محدودية المشروع الإيراني وفشله في تحقيق أهدافه الجيوسياسية.
لبنان في خضم التحولات الجيوسياسية
وسط هذه التحولات، يبرز السؤال الأهم: أين يقع لبنان في هذا المشهد؟ وكيف يمكنه الاستفادة من هذه التغيرات؟
من الواضح أن لبنان يقع في صلب هذه التحولات، ولا سيما في ظل اهتمام دولي متزايد بالأمن القومي الأوروبي وحماية قبرص من موجات اللجوء. لكن لبنان قادر أيضًا على لعب دور محوري عبر تعزيز علاقاته مع القوى الكبرى والعمل على تحقيق استقرار داخلي جدي.
لا بد للبنان من تعزيز مؤسساته الرسمية والدستورية، ودعم قطاعه الأمني والعسكري، وحماية حدوده من التهديدات. فالتمسك بالمؤسسات هو الطريق لضمان مكان للبنان في النظام الإقليمي الجديد.
دور لبنان في إعادة الإعمار في غزة وسوريا
يقع لبنان في موقع استراتيجي يتيح له لعب دور مهم في عمليات إعادة الإعمار في غزة وسوريا. ويمكن للبنان أن يستفيد من الاهتمام الدولي، وأن يكون لاعبًا فاعلًا عبر تحرك دبلوماسي نشط يهدف إلى تحقيق الاستقرار الداخلي والابتعاد عن الانقسامات الطائفية.
ومع تزايد اهتمام العالم بالشرق الأوسط، تصبح الفرصة أمام لبنان أكثر وضوحًا. من خلال تحسين علاقاته مع الدول الغربية والعربية المعتدلة، يمكن للبنان أن يعزز موقعه في النقاشات الإقليمية والدولية حول الأمن والاستقرار الاقتصادي.
يبقى لبنان في مفترق طرق. عليه أن يتعامل بحذر مع التحولات من حوله، وأن يستفيد من الفرص التي توفرها، بينما يتجنب المخاطر التي قد تهدد استقراره الداخلي والخارجي.

