لم تكن الساعة السادسة مساء أمس لحظة عادية، حين انتشر خبر إلقاء القبض على نوح زعيتر، ليس لأن الرجل أكبر المطلوبين في لبنان فحسب، بل لأن اعتقاله جاء في لحظة تكثّفت فيها تناقضات البلد كلّها؛ فالدولة تبحث عن شرعيتها، والجيش تلقّى صفعة أميركية سياسية مدوّية، والشارع البقاعي الذي لا يرى في الدولة سوى زائر موسمي، والإقليم الذي يغلي على حدوده الشرقية.
لحظة القبض… أسئلة أكبر من الحدث
اعتُقل نوح بهدوء نادر، في بلدة الكنيسة على أطراف بعلبك، من دون طلقة واحدة، ومن دون مقاومة، ومن دون أي شبهة مواجهة. هذا الهدوء نفسه أثار أسئلة أكبر من الحدث: هل سلّم نفسه؟ هل كان هناك اتفاق؟ هل يجري ترتيب الأرضية لعفو عام واسع يعيد تشكيل التوازنات في البقاع؟ الأسئلة كثيرة والجواب أبعد من الأمن.
قبل هذه اللحظة بيومين فقط، كانت الشراونة، المعقل التاريخي للشبكات الخارجة عن سلطة الدولة تغلي؛ اشتباكات عنيفة بين عناصر خارجة عن القانون وقوة كبيرة من مخابرات الجيش أسفرت عن استشهاد عسكريين اثنين وإصابة ثلاثة آخرين.
مشهد دموي بدا كأنه الحلقة الأوضح في مسلسل العلاقة المتوترة بين الدولة وأحد أكثر المناطق شعورًا بالإهمال.
مداهمات، ردّ نار، قتيل من المطلوبين، ثم صمت ثقيل، وبعدها مباشرة اعتقال نوح زعيتر بلا مقاومة وكأن المشهد يُكتب من غرف أخرى، لا من الشارع.
اعتقال نوح زعيتر جاء في لحظة تكثّفت فيها تناقضات البلد كلّها؛ فالدولة تبحث عن شرعيتها، والجيش تلقّى صفعة أميركية سياسية مدوّية
الصفعة الأميركية… والضغط على المؤسسة العسكرية
لكن الحدث الداخلي لم يكن الوحيد؛ ففي واشنطن انهار واحد من أكثر الجسور التي حاول الجيش اللبناني الحفاظ عليها طوال سنوات طويلة، فقد ألغت الولايات المتحدة زيارة قائد الجيش اللبناني التي كانت مقرّرة، وألغت معها اجتماعات ورسائل وبروتوكولات، خطوة اعتبرتها الأوساط السياسية إهانة رسمية وضربة للعلاقة التاريخية بين المؤسستين.
السبب!؟ برودة الجيش في مقاربة ملف السلاح غير الشرعي، وتفسير أميركي بأن لبنان لم يعد قادرًا أو راغبًا في ضبط الحدود بين الدولة والقوة التي تنافسها داخلها.
فجأة وجد الجيش نفسه وحيدًا في لحظة لم يكن فيها مستعدًا للتهوّر، وبالتزامن يُعتقل نوح زعيتر في البقاع. هذا التزامن لم يمر مرور الكرام.
نواف سلام بين مطرقة الخارج وسندان الداخل
في قلب هذه المتاهة يقف نواف سلام، رئيس الحكومة، محاولًا الحفاظ على توازن دقيق بين الخارج والداخل، بين الضغط الأميركي والواقع السياسي اللبناني، بين حاجته لإظهار سلطة الدولة وبين حدود القدرة الفعلية لهذه السلطة.
كل خطوة يقوم بها تُقرأ دوليًا ومحليًا، وكل فشل أو نجاح يتردد صداه في واشنطن كما في الضاحية كما في بعلبك.
واعتقال زعيتر، مهما كان أمنيًا، يحمل بصمات سياسية لا يمكن فكّها عن السياق الأكبر. فالدولة أرادت أن تقول إنها هنا ولو قليلاً.
ومع ذلك، يبقى السؤال: لماذا انفجرت حملة التضامن مع نوح زعيتر بسرعة لافتة؟ لماذا ظهرت رسائل وأصوات وتهليلات، بل وحتى بكاء على الرجل؟
الإجابة ليست في القانون، هي في علم الاجتماع، في علم النفس الجمعي في بيئة مهملة منذ عقود، لا ترى من الدولة إلا وجهها العسكري، ولا تتلقى منها إلا المداهمات، بينما تتلقى من زعيتر المال والمساعدة والحماية والقرب.
في منطقة يندر فيها الحضور الرسمي، يصبح زعيم المافيا بديلًا عن الدولة، بل دولة مصغّرة يشعر أبناؤها أنها أكثر وفاءً من الدولة الأصلية.
اعتقال زعيتر، مهما كان أمنيًا، يحمل بصمات سياسية لا يمكن فكّها عن السياق الأكبر. فالدولة أرادت أن تقول إنها هنا ولو قليلاً.
هو ليس قديسًا، ولا قدوة أخلاقية، لكنه بالنسبة لمن حوله رمز القوة في عالم لا يعطي الضعفاء قوة.
هذه هي المعادلة القاسية: (حين تفشل الدولة في لعب دور الدولة، يتولّى هذا الدور شخص واحد فيتحوّل إلى أسطورة).
ما وراء الهدوء… فرضية الصفقة
غير أن اعتقاله بهذه السلاسة يوحي بأن المشهد ليس عفويًا.
الرجل الذي اشتبك مع الأجهزة مرارًا، والذي عُرف بقيادته مواكب مسلّحة، لم يطلق رصاصة واحدة عند القبض عليه.
هذا يفتح الباب أمام فرضيات عديدة عن وجود ترتيبات تمهّد لعفو عام، أو لصفقة سياسية أكبر تُعاد فيها هندسة العلاقة بين الدولة والبيئة البقاعية، أو حتى لإعادة رسائل متبادلة بين أطراف داخلية وخارجية.
من غير المنطقي أن يُقنع مشهد هادئ جدًا في منطقة صاخبة جدًا أي مراقب بأنه مجرد نجاح أمني بسيط.
المعادلة القاسية: (حين تفشل الدولة في لعب دور الدولة، يتولّى هذا الدور شخص واحد فيتحوّل إلى أسطورة).
لكن كل هذا لا يلغي حقيقة أن الدولة اللبنانية تعيش لحظة اختبار؛ اختبار لقدرتها على الإمساك بمناطق أهملتها، واختبار لعلاقتها بالجيش، واختبار لصدقيّتها أمام واشنطن، واختبار لعلاقتها بالشرعية الشعبية التي تتفتّت يومًا بعد يوم.
اعتقال زعيتر يضعها في قلب الضوء، لكنه لا يكفي لإعادة بناء هيبتها، لأن المشكلة لم تكن يومًا في شخص واحد، بل في نظام كامل أنتج قدرة شخص واحد على أن ينافس الدولة، ويسبقها، ويتفوّق عليها في بعض المناطق.
في النهاية، ما جرى ليس نهاية فصل، بل بداية رواية أكبر. رواية تكشف انهيار التوازن القديم، وبداية البحث عن توازن جديد، قد يكون أصعب، وقد يكون أخطر، لكنه حتمي.
لبنان يقف اليوم أمام مرآة حقيقية: هل يستطيع أن يكون دولة؟ أم سيظل دولة حين يريد، ولا دولة حين تحتاجه مناطقه الأكثر وجعًا؟
والسؤال الأعمق: هل كان القبض على نوح زعيتر فعلًا قبضًا على نوح، أم القبض على ما تبقّى من وهم بأن الأمور تحت السيطرة!؟

