رغم أنّ لبنان لا يزال يحتفظ بمقوّمات الدولة من مؤسسات وشعب وهوية، إلا أنّ وصفه بالدولة الفاشلة بات يتردّد في الخطاب السياسي والإعلامي المحلي والدولي. بين واقعٍ مأزوم وتاريخٍ زاخر بالمحطات المضيئة.
يطرح تصريح السفير الأميركي طوم باراك تساؤلاتٍ حول مدى قدرة الدولة اللبنانية على القيام بوظائفها الأساسية، وهو ما يجيب عنه الوزير السابق “زياد بارود” برؤيةٍ تحليلية تفصل بين الفشل السياسي والتعثّر البنيوي.

تعبير سياسي وغير ديبلوماسي
جاء تعبير طوم باراك سياسيًا، والمقصود منه الإشارة إلى أنّ الدولة اللبنانية عاجزة عن القيام بما يجب على الدولة القيام به.
ويرى الوزير بارود أنّ طوم باراك لا يمتلك “مسطرة قياس” للدول تُمكّنه من تصنيفها بين فاشلة وناجحة، كما أنّ كلامه لا يندرج ضمن معايير العلوم السياسية أو القانونية. ونادرًا ما يصدر مثل هذا الكلام عن ديبلوماسي، إذ يُعدّ غير لائق من الناحية الديبلوماسية. غير أنّ مضمونه يثير التساؤل: هل يمكننا أن ندّعي أننا دولة ناجحة؟ فالعكس من الدولة الفاشلة هو الدولة الناجحة، وعلى هذا الأساس يمكن الإجابة عن السؤال.
معايير الدولة الناجحة!
فالدولة الناجحة هي التي تستطيع تأمين الحدّ الأدنى من الحماية الأمنية لمواطنيها، وتُقِرّ الموازنة وقطع الحساب، وتوفّر المتطلّبات المعيشية الأساسية. كما أنّها دولة ذات علاقات خارجية فاعلة، وصاحبة سيادة حقيقية، وهذه المعايير مجتمعة تمنحها صفة الدولة. ويشير بارود إلى أنّ لبنان بقي، منذ عام 2005 حتى عام 2017، من دون موازنة، ولذا فإنّ وضع الدولة اللبنانية، وفق المعايير الموضوعية، غير سوي.
ويشير إلى أنّ تعبير الدولة الفاشلة Failed State له معايير محدّدة تُصنَّف الدول على أساسها، لكنّ لبنان لا يُعدّ دولة فاشلة بالمعنى الكامل للكلمة وفق هذه المعايير، وإن كان يُنظر إليه سياسيًا من قبل البعض على هذا النحو. وحتى لو أقرّ اللبنانيون بأنهم ليسوا في أفضل أحوالهم ويتحمّلون جزءًا من مسؤولية واقع دولتهم، إلا أنّه لا يمكن القبول بتوصيفٍ كهذا لما يحمله من إهانةٍ لجميع اللبنانيين، ولا سيّما أنّ لبنان مرّ ويمرّ بأزماتٍ متعاقبةٍ حالت دون استقراره منذ أربعينيات القرن الماضي، ولم تُتح له الفرصة لالتقاط أنفاسه.
ويلفت إلى أنّ لبنان ليس مسؤولًا بالكامل عمّا آلت إليه أوضاعه، إذ تتوزّع المسؤولية أيضًا على العوامل الإقليمية والدولية. ويذكّر بأنّ جبران تويني كان يقول إنّ الحرب الأهلية في لبنان هي حرب الآخرين على أرضنا، مع إشارته في الوقت نفسه إلى أنّ اللبنانيين يتحمّلون بدورهم مسؤوليةً كبيرة في ذلك.
محطات مشرفة بتاريخ الدولة اللبنانية
في السياق نفسه، يؤكد بارود، من دون أيّ شك، أنّ هناك مراحل في تاريخ لبنان كانت فيها الدولة ناجحة؛ فقد كان لبنان غير مديون، وكانت الدولة تؤمّن الحماية لأبنائها، وكان لديها مجلسٌ نيابيٌّ منتج للقوانين وحكوماتٌ فاعلة. ويضرب أمثلةً على ذلك بعهد الرئيس فؤاد شهاب، وإلى حدٍّ ما بعهد الرئيس كميل شمعون، ولا سيّما أنّ تاريخ تأسيس لبنان يعود إلى نحو مئة عام. لكنه يضيف أنّ “لعنة الجغرافيا لم تساعد لبنان”.
مستقبل غير مطمئن
وحين سألته عمّا إذا كان متفائلًا أم متشائمًا بإمكانية قيام دولة ناجحة في لبنان مستقبلًا، علّق بارود قائلًا: “التنوّع الطائفي والسياسي والثقافي والاجتماعي في لبنان هو غنى، ومشكلتنا تكمن في إدارة هذا التنوّع، لا على الصعيد الدستوري ولا على صعيد الممارسة”.
وأضاف: “هناك ثغرات دستورية تمنع انتظام العمل السياسي، ويجب إعادة النظر فيها”، مشيرًا إلى أنّ هناك نقطةً أساسية يجري إهمالها تتعلّق بمسألة العدالة الاجتماعية. ويرى أنّ الدولة تصبح قادرة حين تؤمّن للبنانيين التعليم والطبابة والاستشفاء والكهرباء وسائر متطلّبات الحياة باعتبارها حقوقًا كاملة. غير أن بارود يصرح بأنه “غير متفائل من المستقبل القريب للبنان لأن التحديات كبيرة ومنها التعنت الإسرائيلي”، بحيث أن ولا إشارة إيجابية صدرت من إسرائيل حيال التفاوض، بينما في المقابل رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والجيش اللبناني اتخذوا قرارات وخطوات كبيرة لم نشهد مثيلًا لها منذ عقود.
لبنان نموذج ديمقراطي تعددي
أما الدبلوماسي السفير السابق “الدكتور هشام حمدان” فقد رأى في محاضرة في النادي اللبناني في بوينوس أيريس بتاريخ 7 تشرين الأول 2025 أن لبنان يمر بأزمة خطيرة من عدم الاستقرار والانهيار الاقتصادي بسبب نظامه السياسي الطائفي، لكنه ليس دولة فاشلة. منذ استقلاله 1943، شكّل نموذجًا ديمقراطيًا تعدديًا، استضاف مختلف الطوائف والأديان، وبرز كمركز ثقافي وحضاري. ساهم في تأسيس منظمات دولية وعربية، وحقق نهضة اقتصادية في الستينات، محافظًا على سياسة حياد إيجابي في الصراع مع إسرائيل.

أزمات متلاحقة
ورأى حمدان أن لبنان أصبح ساحة صراعات إقليمية ودولية منذ 1969، ما أدّى إلى قتل وتهجير آلاف وانهيار الاقتصاد والدولة، خاصة بعد 7 تشرين الأول 2023. ويربط حمدان هذا بالتحولات الإقليمية بعد الحرب العالمية الثانية، صعود الولايات المتحدة، الحرب الباردة، وصعود عبد الناصر والقومية العربية، وتأثير ذلك على السياسة اللبنانية وتصاعد الحركات الناصرية، بما في ذلك ثورة 1958 والتدخل الأمريكي.
وفي سياق ذلك، بعد هزيمة 1967، أصبحت إسرائيل قاعدة للغرب، وفقد الفلسطينيون قواعدهم، فكان لبنان وجهتهم الرئيسية بسبب نظامه التعددي وانفتاحه السياسي. وقد وقع لبنان اتفاق القاهرة 1969 لتنظيم عمل المقاومة الفلسطينية، مما أوجد انقسامًا داخليًا بين المسيحيين المؤيدين للدولة والمسلمين الداعمين للمقاومة، بينما قضى الأردن على الوجود الفلسطيني بعد أيلول الأسود 1970.
وبنتيجة هذه التطورات، خرق اتفاق القاهرة اتفاقية الهدنة مع إسرائيل، ومع صمت المجتمع الدولي، انفلت الأمن في لبنان واندلعت الحرب الأهلية التي استمرت 15 عامًا وأسفرت عن 130 ألف قتيل وتهجير مليون نسمة وتدمير البنية التحتية واستنزاف الاقتصاد. كما ترك صدور قانون العفو عام 1991 جرائم الحرب بلا مساءلة، مما عمّق الانقسامات وأثر على مسار لبنان لعقود.
تاريخ طويل من الصراعات!
وختم السفير هشام حمدان مداخلته بالتأكيد على أن لبنان، رغم تاريخه الطويل وصراعاته المستمرة بعد اتفاق الطائف، لا يمكن وصفه بالدولة الفاشلة، وأن اللبنانيين كانوا ضحية تقاعس المجتمع الدولي عن حمايته من الانهيار والتحول إلى ساحة صراعات. وأوضح أن اتفاق الطائف أنهى الحرب الأهلية لكنه لم يعالج جذور المشاكل، إذ استمر التقسيم الطائفي وسيطرة الميليشيات ونهب أموال الدولة، ما دفع اللبنانيين للثورة في 17 تشرين الأول 2019. وشدد على أن استعادة السلام والاستقرار تتطلب جهودًا وطنية مدعومة من المجتمع الدولي عبر استراتيجيات لبنانية لبناء السلام، معتمدة على خبرة الأمم المتحدة والخبراء اللبنانيين، مؤكدًا قدرة اللبنانيين بإرادتهم وتصميمهم على إعادة وطنهم كطائر الفينيق، ليصبح مركزًا للحوار بين الحضارات ونموذجًا للعيش المشترك والازدهار.

