من يعرف خريطة القوة في الإقليم يدرك أنّ حزب الله هو أكثر من يعرف حدود سلاحه، وأكثر من يعرف أنّ أي مواجهة مباشرة مع إسرائيل ستفضي إلى كارثة حقيقية فهو، رغم صلابته الخطابية يعرف أنّ ميزان الردع العسكري انتهى منذ زمن وأن التفوق التكنولوجي والاستخباراتي الإسرائيلي المدعوم بأحدث الأنظمة الأميركية يجعل أي مواجهة مفتوحة ضربًا من الانتحار الجماعي. الصواريخ الدقيقة مهما بلغت دقتها، لا تستطيع مواجهة القوة الجوية المتقدمة، ولا الدرونات الذكية، وأي حرب شاملة ستنتهي بخسارة بيئته قبل أي طرف آخر.
المفارقة المؤلمة أنّ هذا السلاح، الذي وُلد شعارًا للكرامة أصبح عبئًا على حامله فهو لا يحمي الجنوب ولا يردع العدو، لكنه أداة للبقاء في الحكم.
ومع هذا الإدراك لم يتخلّ الحزب عن سلاحه بل اكتشف وظيفته الجديدة ،اذ لم يعد السلاح أداة ردع خارجية بل أصبح رأس المال السياسي الداخلي الأكثر قيمة.
من راية مواجهة الى صك نفوذ طائفي، يحمي الموقع والحصة ويمنع المساس بالتوازنات داخل الدولة اللبنانية.
السلاح هنا لم يعد دفاعًا عن الوطن بل ضمانة لاستمرار اليد الطائفية في مفاصل السلطة.
مع تبدّل موازين القوى الإقليمية وانكفاء النفوذ الإيراني بات الاحتفاظ بالسلاح ضرورة سياسية لا عسكرية،لم يعد الهدف حماية الحدود، بل الحفاظ على التموضع السياسي للطائفة، واحتفاظ الثنائي الشيعي حزب الله وحركة أمل بموقعه الحاسم في كل مفصل من مفاصل الدولة.
كل نقاش حول نزع السلاح أو إدماجه في مؤسسات الدولة يُقرأ من منظور الحقوق الطائفية لا من منظور الأمن، (فالسلاح يحمي حقنا في الدولة)أصبح شعارًا يختزل فلسفة المرحلة(ليس الدفاع عن الأرض، بل الدفاع عن الحصص في التعيينات والقضاء والمؤسسات والمقاعد النيابية)
إقرأ أيضا: «الحزب» تحول إلى جهاز أمني يراقب الشيعة.. علي الأمين: الحل بيد السلطة اللبنانية وليس في طهران أو الضاحية
التعيينات في لبنان، ليست مسألة إدارية بل ترجمة حقيقية لميزان القوى فكل منصب هو موقع تفاوض، وكل اسم في المرسوم هو توقيع على توازن دقيق بين الطوائف.
وفي هذا المشهد يظهر السلاح كضمانة أخيرة ضد أي محاولة لتقليص النفوذ أو إعادة توزيع السلطة وقد تجلى ذلك الأسبوع الماضي مع الجدل حول تعديل قانون الانتخاب، حين اقترحت وزارة الخارجية تعديلًا لتوسيع تمثيل المغتربين وإلغاء الحصر بستة نواب فقط.
ان رفض الرئيس نبيه بري هذا التعديل لم يكن مجرد موقف قانوني بل رسالة سياسية واضحة بأن أي تغيير قد يزعزع توازن النفوذ الشيعي فالقانون الانتخابي الراهن هو جزء من شبكة الضمانات، وأي تعديل فيه يعني إعادة توزيع غير مرغوبة للسلطة.
السلاح هنا لم يعد دفاعًا عن الوطن بل ضمانة لاستمرار اليد الطائفية في مفاصل السلطة
ولكن هذه اللعبة لا تُدار في بيروت وحدها، بل تُدفع أثمانها في الجنوب حيث تتحول السياسة إلى دماء والسلاح إلى وجع حيّ. على امتداد القرى التي تعوّدت رائحة البارود أكثر من عبير المواسم، يُترجم السلاح إلى معاناة يومية،كل بيت في الجنوب يحمل قصة فقد،أمّ شيّعت ابنها باسم الكرامة، رجل فقد أطرافه في حرب لم يُستشر بها، طفل ينام على خوف دائم وشيوخ ينتظرون هدنة لا تأتي.
كل قصف وكل بيت مدمّر هو محطة في رزنامة السياسة ،كلما ارتفع الدخان في بنت جبيل أو النبطيةارتفعت أصوات المزايدات في بيروت وأُقنع الجنوبيون بأنهم دروع الكرامة فيما الحقيقة أنهم صاروا دروع الضمان، دمهم يُقدّم عربونًا لبقاء السلاح، والسلاح يُستخدم لضمان النفوذ.
تحت أنقاض البيوت تختبئ الحقيقة أن المقاومة صارت وسيلة حماية للنفوذ لا للوطن وأن الجنوب الذي كان ساحة للكرامة، أصبح ساحة للمساومة
وفي ظل التحولات الإقليمية العميقة وتراجع النفوذ الإيراني وتقدّم مشاريع التطبيع العربي-الإسرائيلي وتغيّر أولويات الحلفاء بات المكوّن الشيعي اللبناني يعيش قلقًا وجوديًا جديدًا فلم يعد في موقع التمدد، بل في موقع التحصّن.
ومع تقلّص القدرة على فرض النفوذ الخارجي، أصبح التمسك بالسلاح محاولة لتعويض الفراغ، فهو اليوم رمز لبقاء الدور، في زمن يتراجع فيه الدور.
إقرأ أيضا:بيان «الحزب» تمرّد سياسي على الدولة بإسم «المقاومة».. أي وحدة وطنية تبدأ بإنذار الرئيس وتنتهي بتخوين الحكومة؟
المفارقة المؤلمة أنّ هذا السلاح، الذي وُلد شعارًا للكرامة أصبح عبئًا على حامله فهو لا يحمي الجنوب ولا يردع العدو، لكنه أداة للبقاء في الحكم.
مع تقلّص القدرة على فرض النفوذ الخارجي، أصبح التمسك بالسلاح محاولة لتعويض الفراغ، فهو اليوم رمز لبقاء الدور، في زمن يتراجع فيه الدور
اليوم، لم تعد القضية مجرد سحب السلاح، بل السؤال الحقيقي لماذا بقي أصلًا؟ إذا كان الحزب يعلم أنّ الردع العسكري وهم، وأن أي مواجهة مقبلة ستدمّر بيئته، فما معنى التمسك به؟
الجواب ليس في الجنوب بل في بيروت، في صميم السلطة فالسلاح لم يعد درعًا يحمي لبنان، بل مفتاحًا يفتح الغرفة المغلقة حيث تُدار الحصص، ومأساة أن هذا المفتاح يُصنع من دماء الفقراء، ومن ركام القرى، ومن وجع الأمهات الثكالى، ومن أحلام أطفال بلا مدارس.
تحت أنقاض البيوت تختبئ الحقيقة أن المقاومة صارت وسيلة حماية للنفوذ لا للوطن وأن الجنوب الذي كان ساحة للكرامة، أصبح ساحة للمساومة.
وفي النهاية يبقى السؤال المعلّق كجرح لا يندمل هل ما زال السلاح يحمي لبنان أم صار يحمي من يملكونه فقط؟

