بيان «الحزب» تمرّد سياسي على الدولة بإسم «المقاومة».. أي وحدة وطنية تبدأ بإنذار الرئيس وتنتهي بتخوين الحكومة؟

حزب الله والدولة

مرّة جديدة، يطلّ حزب الله بلهجة تصعيدية جديدة، وهذه المرة ببيان موجّه إلى الرؤساء الثلاثة، لا ليعلن تضامنًا وطنيًا، ولا ليعلن تعاونا مفترضا مع الدولة،  كما يدّعي، بل ليؤكد واقعًا قائمًا: أنه لا يعترف بسلطة الدولة ولا بمرجعيتها.

 البيان الذي جاء تحت عنوان “تعزيز وحدة الموقف اللبناني”، هو في جوهره رسالة تحدٍّ جديدة  لمؤسسات الدولة ومحاولة جديدة لفرض الوصاية على القرار الوطني باسم المقاومة.

لغة الحزب في البيان تكشف بوضوح ذهنية “المرشد” الذي يخاطب الدولة كما يخاطب تابعيه.

وبدل أن يوجه الحزب رسائله عبر القنوات الدستورية التي هو ممثل فيها سواء في مجلس النواب وفي مجلس الوزراء، فقد اختار “كتابًا مفتوحًا” يتضمّن إنذارات سياسية مضمرة لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب، في خطاب غير مسبوق في التعامل مع المواقع الرسمية في لبنان.

وبلغة مليئة بالاستعلاء والهروب من الواقع المرير الذي تعيشه البلاد، بسبب الخيارات والمغامرات التي اتبعها الحزب على مدى سنوات.

إقرأ أيضا: كتاب مفتوح من حزب الله إلى الرؤساء الثلاثة.. لقطع الطريق أمام أي جولات تفاوض جديدة

لقد أراد الحزب من بيانه القول إنه شريك مضارب في السلطة، وليس مكوّنًا خاضعًا للقانون. ,وأراد عن قصد تقويض جهود رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون تجنيب البلاد المزيد من التدهور بإعلانه المسؤول حول المفاوضات، كما أراد تقويض جهود رئيس الحكومة في المساعي الدبلوماسية للخروج من عنق الزجاجة.

لكنّ الدولة التي يرأسها جوزيف عون ليست خاضعة لأي “تفاهم ميداني”، بل تستمد شرعيتها من الدستور ومن الشعب، لا من الرضى الإيراني ولا من خلال البيانات والمواقف التي لن تؤدي إلى مزيد من التصعيد بل من الخراب أيضا.

ولأن التفاوض ليس خيانة بل فعل سيادة، وفي لحظة تاريخية حرجة، يطرح رئيس الجمهورية جوزف عون خيار التفاوض كمسار واقعي لحماية لبنان وتثبيت حدوده وفق القرار 1701.
وهو إذ يعبر بذلك عن إيمان بدور الدولة ككيان شرعي وحيد يملك قرار الحرب والسلم.

فقد ذهب “الحزب” برفضه المطلق لأي تفاوض إلى تعطيل الجهود وتقويض المسار السلمي للحل في تعدٍّ واضح على السيادة وفي تهديد صريح بإبقاء لبنان رهينة مشروعه العسكري .

فالتفاوض ليس تنازلاً، بل الوسيلة الوحيدة لاستعادة القرار اللبناني من فوهة البندقية إلى طاولة الشرعية.

وإذ يقول “الحزب” في بيانه إن “لبنان ليس معنياً بأي تفاوض سياسي مع العدو”، فإنه في الحقيقة يصادر صوت لبنان ويحتكر التحدث باسمه.

لكنّ القرار الوطني ليس ملكًا لحزب ولا لجماعة ولا لطائفة، بل للرئاسة، لمجلس الوزراء، وللشعب الذي ينتخب مؤسساته.

ومع تكرار “الحزب” لمقولة “الحق في الدفاع المشروع فإنه يتناسى  أن دفاعه لم يجد نفعا، وخياراته لم تؤد إلا إلى مزيد من الدمار والخراب، وهو لا يريد أن يعترف  وأن الدفاع يصبح مشروعًا فقط عندما يكون تحت راية الدولة، وانه لم يعد بمقدوره أن بفرض الحرب ثم يطلب من الدولة تغطيتها سياسياً واجتماعيا.

البيان يتحدّث عن “التزام الحزب بوقف النار”، فيما هو يتصرّف كقوة مستقلة تملك قرار التصعيد أو التهدئة متى شاءت.

وهذا ما يجعل كل حديث عن “وحدة الموقف اللبناني” مجرّد شعار مفرغ من معناه، لأن الوحدة لا تُبنى على تفوّق السلاح على الشرعية، ولا بالتعامل مع السلاح كهوية ومع المقاومة كغطاء لاستمرار امتلاكه أدوات القوة خارج مؤسسات الدولة.

وإن من يدّعي حماية لبنان لا يهدّد الدولة، ومن يرفع شعار السيادة لا يتجاوز رئيسها ومؤسساتها،
وإن الفرق بين خطاب الرئاسة وبيان الحزب هو الفرق بين منطق الدولة ومنطق الفرض والفوضى.

الأول يسعى إلى التفاوض ضمن القانون والدبلوماسية الدولية، والثاني يريد فرض معادلاته بالسلاح والتخويف.

إقرأ أيضا: «الحزب» تحول إلى جهاز أمني يراقب الشيعة.. علي الأمين: الحل بيد السلطة اللبنانية وليس في طهران أو الضاحية

والأول يرى في الجيش عنوانًا للوحدة، والثاني يرى فيه مجرد شريك أدنى في معركة يقررها وحده.

البيان الذي يفترض أنه “وطني” تحوّل إلى تهديد مبطّن للدولة التي من المفترض أن ينتمي إليها الحزب.

فأي وحدة وطنية تلك التي تبدأ بإنذار سياسي للرئيس وتنتهي بتخوين الحكومة؟

لقد أثبتت التجارب منذ عام 2006 أن ازدواجية القرار لم تحمِ لبنان بل أضعفته.

كل حرب خاضها الحزب جعلت لبنان يدفع الثمن وحده: دمارًا اقتصاديًا، عزلة دبلوماسية، وانقسامًا داخليًا.

إن الردّ الحقيقي على بيان حزب الله ليس ببيان آخر، بل بتمسّك الرئاسة والجيش والحكومة بحقهم في احتكار القرار والسلاح، ومن أراد أن يقاوم فليقاوم تحت راية الدولة، لا فوقها.

أما من يصرّ على تجاوزها، فليعلم أن لا مقاومة بلا وطن، ولا وطن بلا دولة.

السابق
الجيش الإسرائيلي يزعم مهاجمة عناصر لـ«حزب الله» عملوا داخل بنية تحتية لوحدة البناء في صور
التالي
حزب الله في بيان تصعيدي: يتنصل من «حصرية السلاح» ويهمّش الرؤساء الثلاثة!