في الوقت الذي كان فيه اللبنانيون ينتظرون نتائج جلسة مجلس الوزراء اليوم التي ستبحث في التقرير الثاني للجيش عن خطة حصر السلاح، وكذلك قانون الانتخاب الذي فجَّر أزمة سياسية داخلية أدّت إلى تعطيل مجلس النواب وتهدِّد ـ بحسب التسريبات البارحة ـ باستقالة وزراء الثنائي الشيعي من الحكومة، في هذه الأثناء يفاجئ حزب الله الجميع بـ«كتاب مفتوح» موجَّه إلى الرؤساء الثلاثة يرفض فيه مبدأ التفاوض مع إسرائيل ويدعو فيه للمقاومة، بعد أن سادت أجواء إيجابية عقب زيارة مورغان أورتاغوس الأخيرة إلى بيروت، عن إمكانية فتح مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل وموافقة لبنان على انضمام مدنيين إلى الوفد المفاوض بمباركة من الرؤساء الثلاثة، ما يدعو إلى التساؤل عن دلالات هذا الكتاب وتوقيته وأهدافه الحقيقية في ظل وضع ميداني خطير يعيشه الجنوب ولبنان عموماً جراء تصاعد الاعتداءات الصهيونية عليه.
بين الرؤساء الثلاثة و«الأخ الأكبر»
اللافت في البداية أنّ الكتاب يتوجّه إلى الرؤساء الثلاثة، الأمر الذي يؤكد – ربما – تصريحات رئيس الجمهورية الأخيرة عن توافق رئاسي ثلاثي، أي ضمناً الرئيس بري، على المفاوضات وتفاصيل المشاركة فيها. هذا يطرح تساؤلات حول حقيقة علاقة الحزب مع «الأخ الأكبر» نبيه بري الذي كانت مصادره هي من أوحت بالأجواء الإيجابية بعد اجتماعه الأخير مع أورتاغوس، والذي يؤكد بشكل شبه يومي أن لا حرب في الأفق ولا مفاوضات مباشرة، بما يعنيه هذا الموقف من إمكانية المفاوضات غير المباشرة.
فهل هناك خلاف في التوجه بين الثنائي، أم أن الرئيس بري يناور؟
الموقف من التفاوض والارتباط بالملف الإيراني
تساؤل آخر يطرح نفسه عن موقف حزب الله من مبدأ التفاوض نفسه، وهو الذي كان أعلن وقوفه خلف الدولة في تفاوضها السابق حول الحدود البحرية التي تنازل بموجبها لبنان عن الخط 29 ما أدّى إلى خسارته بعض حقوقه. فما عدا مما بدا اليوم ليقف الحزب هذا الموقف، خاصة وأن الوضع اليوم يستوجب التفاوض أكثر بكثير من الوضع آنذاك، فالأرض اليوم محتلة والناس نازحون والقرى مدمَّرة والعدو يضرب يومياً، ما يدعو للتساؤل: هل لهذا الموقف اليوم علاقة بما سُرِّب في اليومين الماضيين عن أن إيران تلقت عروضاً جديدة للتفاوض مع أميركا، وبالتالي هي تريد الاحتفاظ ـ كدأبها دائماً ـ بلبنان كورقة من أوراقها التفاوضية؟
بين الموقف السياسي والمخاطر الميدانية
عن الهدف من هذا الكتاب، يقول الحزب في بيانه «إنه لقطع الطريق أمام محاولات لإعادة جر الدولة اللبنانية إلى جولات تفاوضية جديدة لن تخدم سوى مصالح العدو، وأنه بصفتنا مكوِّنًا مؤسسًا للبنان نؤكد حقنا المشروع في مقاومة الاحتلال والعدوان، ولا يندرج الدفاع المشروع تحت عنوان قرار السلم والحرب بل نمارس حقنا في الدفاع عن بلدنا».
هنا يبدو الحزب وكأنه يرد بشكل مباشر على كلام رئيس الجمهورية الأخير بأن لا سبيل أمام لبنان إلا التفاوض بعد أن فشلت الحرب في حماية لبنان، فضلاً عن وضع لبنان الاقتصادي الذي لا يسمح بخوض الحروب والانتصار فيها، وذلك عبر طرح الحزب في كتابه حقه المشروع بمقاومة الاحتلال.
فهل يكون الكتاب مثلاً بمثابة إعلان عن انطلاق المقاومة الشعبية والسرية ضد الاحتلال، أم أن الأمر لا يعدو كونه تسجيل موقف يتبرّأ فيه سلفاً مما قد تؤدي إليه المفاوضات من مخرجات قد تكون صعبة وقاسية على لبنان نسبة إلى الواقع الميداني الصعب الذي تسبَّب هو فيه بالأصل؟
يبقى أن نقول إن هذا الكتاب الذي أراده الحزب كتاباً مفتوحاً يتوجّه به إلى الرؤساء، قد يكون ـ للأسف ـ وفي الوقت نفسه دعوة مفتوحة للعدو الإسرائيلي لاستئناف الحرب، في ظل التسريبات التي صدرت مؤخراً في بعض الصحف العبرية والعالمية عن إعادة بناء قوة حزب الله، والتي يؤكدها يومياً بعض مسؤولي الحزب كما بعض «الأبواق» التي تتحدث ـ كما قبل الحرب الأخيرة ـ عن قدرات خارقة لدى الحزب لمواجهة إسرائيل وصلت حد تأكيد «شراء» الأسلحة والصواريخ من سوريا، في سيناريوهات مضحكة مبكية يرسمها أناس أقل ما يقال فيهم إنهم لا يمتون للإحساس بالمسؤولية بصلة.
في تأكيدٍ جديد بأن الحزب لم يسعَ ولن يسعى لأي مراجعة ـ حتى ولو في الشكل ـ لكل مجريات الأوضاع السابقة وما أدت إليه من نكبة يعيشها اليوم الجنوبيون، وهم ينتظرون الأوضاع اللاحقة بخوف وحذر من نكبة قد تكون أقسى هذه المرة، نتيجة حال الإنكار التي يعيشها حزب الله كما المكابرة في عدم الاصطفاف مع بقية اللبنانيين وراء الدولة، في الوقت الذي يتحدث فيه عن «تعزيز وحدة الموقف اللبناني في مواجهة العدوان والانتهاكات المستمرة».
فهل هناك أكثر من هكذا انفصام وانفصال عن الواقع؟ ليبقى السؤال الذي طرحناه سابقاً على حماس كما على الحزب: على ماذا يراهن حزب الله… وإلى متى؟
اقرا ايضا: حزب الله في بيان تصعيدي: يتنصل من «حصرية السلاح» ويهمّش الرؤساء الثلاثة!

