زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان المرتقبة في بداية ديسمبر تأتي في مرحلة حساسة، تحمل رسائل رمزية عن الهوية اللبنانية الحضارية والانفتاح على الحرية والتنوع وحوار الأديان والثقافات. وتطرح هذه الزيارة أسئلة عن قدرة لبنان على الصمود أمام المخاطر الإقليمية، وحماية السلم الأهلي، وأهمية التوازن بين المكونات اللبنانية المختلفة، خاصة في ما يتعلق بالسلاح ودور الدولة. كما تثير زيارة البابا اهتمامًا بدور الفاتيكان على الصعيد الدولي، وقدرته على التأثير في السياسات الأميركية والإسرائيلية لصالح استقرار لبنان وسيادته.
عن رمزيَّةِ زيارةِ البابا لاوون الرابعَ عشرَ إلى لبنان، يقولُ الدكتور زِياد الصَّائغ، المديرُ التنفيذيُّ لملتقى التأثيرِ المدنيِّ لـ”جنوبية”، إنَّها “تنطوي على “رمزيتين تاريخيتين في توقيتٍ مفصليٍّ يواجهُ فيه لبنانُ تحديَ تحقيقِ السيادةِ الناجزة، وتنفيذِ مساراتِ إصلاحٍ بنيويَّةٍ من تطبيقِ الدستورِ بكاملِ مندرجاتِ اتفاقِ الطائف، إلى إعادةِ هيكلةِ البُنى الماليَّةِ والاقتصاديَّةِ والاجتماعيَّةِ على قواعدِ الحوكمةِ الرشيدةِ والمحاسبةِ والعدالة”.
إقرأ أيضا: الانتخابات النيابية 2026: بري يحشر «الحزب».. وملامح تمرّد عند جميل السيد وعلي حجازي
ويضيف: “رمزيتان تاريخيتان، حيثُ أُولاهُما تثبيتُ هويةِ لبنانَ الحضاريةِ مَثَلًا للحريةِ والتنوّعِ وحوارِ الأديانِ والثقافاتِ في مواجهةِ كلِّ الأوتوقراطياتِ والثيوقراطياتِ وحِلفِ الأقليات، وهُنا يَكمُنُ جوهرُ نموذجِ المواطنةِ الحاضنةِ للتنوّع، وهي أساسٌ لكلِّ سلامٍ مجتمعيٍّ، وهذا ما يُنادي به كثابتةٍ أخلاقيةٍ سياسية الكرسيِّ الرسوليِّ. وثانيُهُما توجيهُ رسالتينِ حاسمتينِ للمجتمعِ الدوليِّ والمنظومةِ الحاكمةِ في لبنان: الرسالةُ الأولى تتعلقُ بموجبِ حمايةِ شعبِ لبنانَ، وشعبِهُ نموذجًا حضاريًّا يحتاجُهُ العالمُ. والرسالة الثانية تؤكد على ضرورة الإصلاح السياسي والديني الراديكالي، فالكرسي الرسولي يعي موبقات المنظومة الحاكمة لكنه مستاء من تماهي السلطة الدينية معها، بما يفقد الصوت الأخلاقي الزاجر قيمته”.
أمّا عن مخاطرِ تهديدِ السلمِ الأهليِّ في لبنانَ والخطرِ الوجوديِّ على المسيحيين، فيشيرُ الصَّائغُ إلى أنّ “الكرسيَّ الرسوليَّ، بدبلوماسيَّتِه الفاعلةِ الصامتةِ، يعي أن أولَ خطرٍ على الكيانِ اللبنانيِّ وسلمِه الأهليِّ كان في خيارِ بعضِ المسيحيين بانتهاجِ حِلفِ الأقلياتِ، واستدعاءِ الحماياتِ، والاصطفافِ في محاورَ ضدَّ ثوابتِ لبنانَ التاريخية، وللأسفِ ما زال هذا التيارُ قائمًا في كثيرٍ من مفاصلِ سلوكياتِ وذهنياتِ قياداتٍ مسيحيةٍ سياسيةٍ وكنسيةٍ. والخطرُ الثاني يتمثّلُ بحِلفٍ موضوعيٍّ يجمعُ إسرائيلَ بقوى دينيةً متطرفةً بما يؤمنُ لها ولهم استمرارَ منطقِ الصراعِ المُدمّر”.
ويستطرد الصائغ “في أيِّ حالٍ، الخصمانِ في حالةِ تفككٍ الآن، لذا يدفعُ الكرسيُّ الرسوليُّ باتجاهِ دعمِ قيامِ دولةٍ مواطنةٍ سيدةٍ حرةٍ عادلةٍ مستقلةٍ، وثمة من العتبِ واللومِ على إضاعةِ الوقتِ مع خطورةِ تفويتِ الفرصةِ التاريخيةِ، لإعادةِ وطنِ الأرزِ جزءًا من العالمِ الحرِّ، ومساهمًا في بناءِ الأفقِ والسلامِ الإقليميِّ والدوليِّ”.
ويعتبر الصائغُ أنّ “الدولةُ الفاعلةُ العادلةُ، بحصريةِ السلاحِ، تحمي السلمَ الأهليَّ، لا بالتسوياتِ المرحليةِ وتدويرِ الزوايا القاتلِ الذي يحصلُ. ثمّ إنّ الخطرَ على كلِّ اللبنانيينَ، وتخصيصَ المسيحيينَ بالخطرِ خبيثٌ، ويرتبطُ بأجنداتٍ لا علاقةَ لها بالمسيحيينَ. المسيحيونَ بناتٌ وأبناءُ رجاءٍ وقيامةٍ، ومعَ شركائهم من كلِّ الطوائفِ معنيّونَ بإنقاذِ لبنانَ من براثنِ اللاّدولةِ ومياعةِ الحكمِ”.

وفي ما يعنى بالعلاقة بين المسيحيينَ وحزبِ اللهِ، فيعبرُ زياد الصائغ عن “امتعاضِه من حصرِ التمثيلِ الشيعيِّ بثنائيِّ حركةِ أملٍ-حزبِ اللهِ”، ويؤكّدُ أن “لا إشكاليةَ طائفيةً في لبنانَ، بل خلافٌ على الخياراتِ الاستراتيجيةِ، وبالتالي لا إمكانيةَ لأيِّ تهاونٍ أو مماطلةٍ أو تفاوضٍ حولَ حصريةِ ما تبقّى من سلاحٍ غير شرعيّ، فدون ذلك لا قيامَ لدولةٍ فعليةٍ ذات هيبةٍ دستوريةٍ وقانونيةٍ وسياديةٍ. الكرسيُّ الرسوليُّ قالَ كلمتَهُ منذ البدءِ في رفضِ كلِّ ما يقوّضُ الدولةَ الناظمةَ للعقدِ الاجتماعيِّ تحتَ سقفِ الدستورِ في لبنانَ، وإذا ما كان البابا الراحلُ فرنسيسُ تردّدَ في زيارةِ لبنانَ، فلتوجيهِ رسالةٍ عاليةِ السقفِ بهذا الاتجاهِ”.
إقرأ أيضا: علي الأمين: الخيار الأفضل للبنان هو الالتزام بالاتفاقات الدولية وسلاح «الحزب» بات يشكل ذريعة لإسرائيل
وإذ يختمُ الصائغُ حديثَهُ مجيبًا عن تساؤلٍ حول قدرةِ الكرسيِّ الرسوليِّ على التأثيرِ في السياساتِ الأميركيةِ والإسرائيليةِ، وحمايةِ لبنانَ، غامزًا من قناةِ “تقاعسِ الدولةِ اللبنانيةِ بمعنى تأخّرِها وتباطؤِها في تنفيذِ خيارِ حصريةِ ما تبقّى من سلاحٍ غير شرعيٍّ، كما تطبيقِ الدستورِ والإصلاحاتِ البنيويةِ والقطاعيةِ” ، يضيفُ: “كفى الاتكالُ على حماياتٍ خارجيةٍ. على المنظومةِ الحاكمةِ أن تحسمَ أمرَها وتنفّذَ ما وردَ في الدستورِ واتفاقِ الطائفِ، وتعتمدَ سياسةً خارجيةً أساسُها الحيادُ الإيجابيُّ، مع صياغةِ سياسةِ أمنٍ قوميّ وطنيٍّ، واستراتيجيةِ أمانٍ إنسانيٍّ تصونُ لبنانَ وشعبَهُ. هنا بيتُ القصيدِ، عدا ذلك فالأداءُ الحاليُّ يكفي أن يقولَ فيه العالِمُ بالخبايا الكارثيةِ أن في فمي ماء. البابا لاوون يعلمُ ولا تغشَن أحدٌ المظاهرَ والماكياجاتِ”.

