لبنان بين مرايا الهزيمة والكرامة.. من وهم الأسطورة إلى حقيقة الدولة!

لبنان المفاوضات

يقف لبنان اليوم عند مفترق حاد ليس فقط بين الحرب و السلام ، بل بين وهم البقاء كأمة وسيادة بلا إنتاج وبين الواقع الموجع لشعب يُحاصر بالضعف المالي والسياسي والاجتماعي.

منذ الاجتياح  الإسرائيلي عام ١٩٨٢ وولادة حزب الله كمقاومة ضد الاحتلال، لحين حرب ٢٠٢٤ ،ظل لبنان يكرر نمطًا مأساويًا ،الدولة عاجزة، المواطن ضائع، والكيان المسلح خارج الدولة يتحكم في القرار الأمني.

كل مواجهة رمزية، كل صاروخ يُطلق، وكل خطاب عن “توازن الرعب” يثبت أن الدولة اللبنانية فقدت أدواتها الحقيقية للحماية والسيادة، بينما الاقتصاد ينهار والمواطن يغرق في الفقر والهجرة.

ما ينبغي قوله اليوم ، أن الكرامة الحقيقية ليست شعارًا يُرفع، بل واقع يُصنع و ان الاعتراف بالهزيمة الواقعية، مع بناء خطة عمل استراتيجية شاملة، هو السبيل الوحيد لاستعادة السيادة والدور الوطني

لا تعود اسباب الأزمة اللبنانية اليوم لهجوم خارجي فحسب، بل لتراكم هزائم تاريخية داخليًا،فضعف المؤسسات، فساد النظام السياسي، الاعتماد الكامل على التحويلات والمساعدات الدولية، وغياب مشروع اقتصادي إنتاجي يجعل الدولة والدولة وحدها محور القوة، وليس الصواريخ أو الشعارات.

إقرأ أيضا: رسائل قاسية من واشنطن وتل أبيب تصل بيروت… «المليارات» طارت و«نستعدّ للأسوأ» 

حزب الله، الذي بدأ كمقاومة لتحرير الجنوب أصبح اليوم كيانًا موازياً للدولة، يملك القرار العسكري ويحدد قواعد اللعبة الإقليمية، لكنه في الوقت نفسه يكرّس واقع الدولة المفلسة ويحوّل خطاب السيادة إلى مجرد استعراض.

ان الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على الجنوب، وردود حزب الله الرمزية، تكشف مرة أخرى هشاشة الدولة اللبنانية وعدم قدرتها على حماية شعبها دون تدخل خارجي، ما يجعل الشعب اللبناني ضحية الصراعات الرمزية والأوهام السياسية.

في هذه اللحظة، تبرز جدلية صعبة مفادها الاعتراف بالضعف مقابل الحفاظ على الكرامة.

منذ الاجتياح  الإسرائيلي عام ١٩٨٢ وولادة حزب الله كمقاومة ضد الاحتلال، لحين حرب ٢٠٢٤ ،ظل لبنان يكرر نمطًا مأساويًا ،الدولة عاجزة، المواطن ضائع، والكيان المسلح خارج الدولة يتحكم في القرار الأمني

ان الهزيمة لا تعني الاستسلام، بل تعني الشجاعة السياسية لمواجهة الواقع والكرامة الوطنية الحقيقية لا تُبنى بالخطابات أو الاستعراضات العسكرية، بل بالقدرة على إنتاج الدولة، حماية المواطن، وإدارة الموارد بفعالية.

ان الاعتراف بالواقع يفتح الباب أمام خطة وطنية استراتيجية متكاملة، تبدأ من الدولة وتمتد إلى الاقتصاد والتحالفات والهوية الوطنية.

وحيث ان الحل لا يمكن أن يكون جزئيًا أو شكليًا لذا وجب على الدولة أن تستعيد احتكار القرار الأمني والعسكري، بما في ذلك دمج أو تنظيم القدرات الموازية تحت سلطتها.

كما ان الاقتصاد الوطني يحتاج إلى خطة إنتاجية شاملة تركز على الطاقة والصناعة والزراعة، وتستعيد الثقة لدى المواطن والمستثمر.

وكذلك فإن  التحالفات الإقليمية ،يجب إعادة صياغتها بعقلانية، بعيدًا عن الانتماءات العقائدية، لتصبح أدوات لتعزيز الدولة لا أدوات لتقسيمها.

بالإضافة لضرورة العمل على اصلاح  مؤسسي شامل ، فالقضاء والإدارة والجيش يجب أن يكونوا تحت رقابة مدنية شفافة لضمان اتخاذ القرار وتنفيذه بكفاءة وموضوعية.

لبنان بحاجة إلى الانتقال من زمن الأسطورة إلى زمن الفعل ،زمن الدولة القوية، الاقتصاد المنتج، المؤسسات المسؤولة، والمواطن القادر على الحياة بكرامة

من هذا المنطلق ،يمكن تصور عدة سيناريوهات للبنان في المستقبل القريب:

1- سيناريو الدولة القوية القائم على دمج القوى المسلحة، إطلاق خطة اقتصادية إنتاجية، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية.

في هذا السيناريو،تعود الدولة إلى مركز القرار، ويصبح المواطن في أمان، و تعيد التحالفات الذكية للبنان دوره الإقليمي والاقتصادي.

2- سيناريو الانقسام المستمر المتمثل باستمرار الوضع الحالي الذي يكرس ضعف الدولة وهيمنة السلاح المواز و يفاقم انهيار الاقتصاد و يزيد معدلات  الفقر والهجرة.

في هذا السيناريو، كل مواجهة مع إسرائيل تصبح عبثية، وكل خطاب مقاوم يصبح مجرد صدى لخيال ماضٍ، ما يزيد من عمق الانكسار الوطني.

3- سيناريو التحول الجزئي كاعتماد إصلاحات محدودة تدمج جزءًا من القدرات العسكرية في الدولة، وتحسن بعض القطاعات الاقتصادية، لكنها تبقى غير كافية لمواجهة التحديات الكبرى.

إقرأ أيضا: تصعيد نوعي إسرائيلي جنوباً: توغل، اغتيال، وتفجير.. والقيادة اللبنانية تتحرك!

في هذا السيناريو، لبنان يكتسب بعض الوقت، لكنه لا يضمن استدامة الدولة أو الكرامة الحقيقية.

ما ينبغي قوله اليوم ، أن الكرامة الحقيقية ليست شعارًا يُرفع، بل واقع يُصنع و ان الاعتراف بالهزيمة الواقعية، مع بناء خطة عمل استراتيجية شاملة، هو السبيل الوحيد لاستعادة السيادة والدور الوطني.

لبنان بحاجة إلى الانتقال من زمن الأسطورة إلى زمن الفعل ،زمن الدولة القوية، الاقتصاد المنتج، المؤسسات المسؤولة، والمواطن القادر على الحياة بكرامة.

هذا هو الانتصار الحقيقي، والانتصار الذي يمكن أن يحوّل الهزيمة الرمزية إلى قوة فعلية تضمن للبنان وجوده وكرامته في القرن الحادي والعشرين.

السابق
رسائل قاسية من واشنطن وتل أبيب تصل بيروت… «المليارات» طارت و«نستعدّ للأسوأ» 
التالي
في زمن «الذكاء الإصطناعي» .. ما زلنا أسرى «الغباء السياسي»!