في زمن «الذكاء الإصطناعي» .. ما زلنا أسرى «الغباء السياسي»!

ياسين شبلي

هناك مثل فرنسي شائع يقول «وحدهم الأغبياء من لا يتغيرون أو يغيرون آراءهم»، والأغبياء هنا هي الترجمة المخففة لكلمة les imbéciles الفرنسية التي تعني كذلك الحمقى أو البلهاء أو حتى المجانين.

هذا المثل الفرنسي الشهير يحضر اليوم أكثر ما يحضر في المشهد الذي نراه في تطورات الحرب الإسرائيلية اليومية المستمرة على لبنان، بالرغم من اتفاق وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني من العام الماضي، وعلى رد فعل الطرف المُستهدَف من هذا العدوان ألا وهو حزب الله الذي وبحسب آخر الإحصائيات التي أعلنها العدو خسر أكثر من 365 عنصراً من كوادره أي بمعدل أكثر من شهيد يومياً، هذا عدا الخسائر المادية التي تقدَّر بعشرات ملايين الدولارات التي تسببت بها الغارات على مواقع تجمع للآليات الثقيلة بدايةً في بلدة عدلون وكذلك في المصيلح مؤخراً.

ما يثير العجب والغيظ معاً في هذه التطورات هو طريقة تعامل حزب الله بمسؤوليه وإعلامه الرسمي وأبواقه الشعبية معها، وهي طريقة لا تختلف عن تلك التي كان يتعامل بها مع الأحداث قبل النكبة وكأن شيئاً لم يكن، نفس الخطاب المتعالي والمبالغ به حد التضليل، ونفس التفسير الغيبي للأحداث بما يعنيه هذا التفسير من إنكار للواقع الذي بات مَرَضياً، بدليل تعارضه وعلناً مع كل ما يقال ويحصل على الأرض من اعتداءات تبقى من دون رد وإنكسارات تبقى من دون جبر، ما يعطي الأمر طابع الانتحار والنحر لبيئة بكاملها بناسها وأرزاقها ومستقبلها.

ففي الوقت الذي يدَّعي فيه الشيخ نعيم قاسم وغيره من المسؤولين أن الحزب قد تعافى ورمَّم الكثير من قدراته القتالية وبأنه بات مستعداً للمنازلة، نرى الاعتداءات تتصاعد وتتوالى وتتوسع بينما يكون الرد بتصعيد الخطاب الإعلامي الحزبي والأبواق ضد الحكومة اللبنانية ورئيسها بشكل خاص، كما باتجاه الأطراف السياسية الأخرى في البلد في معارك دونكيشوتية إلهائية بعيداً عن هموم الناس التي خسرت أرزاقها وباتت نازحة في وطنها، وبعيداً عن أي محاولة للمراجعة بعد النكبة التي حلت، والتراجع عما يمكن قد يكون أدى إلى هذه النكبة، ما يبدو وكأنه محاولة للهروب إلى الأمام عبر المضي بخطاب التضليل الذي قد يكون يرى فيه البعض ضرورة تعبوية كما في السابق، إلا أنه وللحقيقة هو سيف ذو حدين يطعن البلد والناس، فمن جهة هو يضلِّل الناس ويخدِّرهم بحيث يأخذهم إلى عوالم خفية غير واقعية مع ما يمثله هذا التضليل من خطر على عقول الناس قبل حيواتهم، ومن جهة أخرى هو استجرار للعدوان وإعطاء مصداقية وذرائع لما يدَّعيه العدو بأنه يقصف بنى تحتية عسكرية ويقتل «إرهابيين» بحسب زعمه، من هنا فإن أقل ما يمكن أن يقال عن هكذا خطاب بأنه غبي يطلقه أناس أغبياء أشبه بالأصنام التي لا ترى ولا تسمع ولا تفكر بطبيعة الحال، وهو خطاب يصدر عن «عقول» مقفلة ممانعة لكل فكر جديد وبعيدة كل البعد عن كل ما يمت للحياة الإنسانية الطبيعية بصلة، ما يجعلنا للأسف في الوقت الذي بات العالم يعتمد «الذكاء الإصطناعي» في مجالات كثيرة، نبدو وكأننا ما زلنا أسرى «الغباء السياسي» والاجتماعي الذي أفقدنا الكثير من مقومات الدول والمجتمعات المتحضرة والطبيعية.

الواقع أن هذا العقل الممانع لكل ما هو واقعي وعقلاني، ليس بجديد على حياتنا في المنطقة، فهو للأسف امتداد للعقل السلطوي العسكريتاري الذي طبع المنطقة ومعاركها منذ نكبة فلسطين عام 1948 وحتى اليوم، ففي حين اعتبر هذا العقل أنه حقَّق الانتصار على الأنظمة الحاكمة إبان نكبة فلسطين بالانقلاب عليها باسم فلسطين والثورة، تراه بعد ذلك يعلن الانتصار بعد كل هزيمة تسبَّب بها بمجرد بقائه هو في السلطة مدًّعياً أن هدف الحروب كان إسقاط النظام «الوطني والقومي والتقدمي» إلى آخر هذه الكليشيهات التي صادر باسمها حرية الشعوب وحقها في التعبير عن رأيها بما يحصل حولها من تطورات تدفع بالنهاية ثمنها من مستقبلها، وللأسف لا يزال هذا العقل بعد حوالي ثلاثة أرباع القرن من الزمن، هو المتحكم بالناس والمجتمع خاصة مع استبدال الشعارات الوطنية والقومية والتقدمية، بشعارات دينية ومذهبية تتلاعب بعواطف الناس البسطاء المحبطين والباحثين دوماً عن «البطل» المخلِّص، عبر ضخ كم هائل من «الخرافات والأساطير» والماورائيات التي تلغي العقل والتفكير باعتباره تجاوزاً إن لم يكن كفراً.

هذا الكلام قد يعتبره البعض انهزامياً، لكننا نعتبره واقعياً وتوعوياً لأن الاعتراف بالواقع مدعاة للتفكير والتحليل، وليس من العيب الاعتراف بهزيمة هنا وأخرى هناك في صراع وجودي طويل له جوانب عدة إضافة إلى الجانب العسكري ولن ينتهي بانتهاء معركة، بل العيب هو في تضليل الناس وتغييب وعيهم والرمي بهم في نار الخيارات الانتحارية المدمرة باسم الله والدين والوطن، فما هو الدين وما هو الوطن وما حاجة الإنسان إليهما، إن لم يكونا لمصلحة الناس وخيرهم وحقهم في الحرية والعيش الكريم الذي قد يقرِّبهم من الله الذي قال في كتابه الكريم «إن الله لا يغيِّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم»، أفلا تعقلون؟

السابق
لبنان بين مرايا الهزيمة والكرامة.. من وهم الأسطورة إلى حقيقة الدولة!
التالي
كروبي: خامنئي دمر الاقتصاد والأمن والأخلاق.. ولا يتحمل إرادة الشعب