في نصّه المسرحي الذي أعيد عرضه مؤخرًا على مسرح مونو في بيروت «شو منلبس» يأخذنا يحيى جابر ومعه الممثلة المسرحيّة أنجو ريحان من فضاء الحاضر وتعقيداته واشكاليّاته الاجتماعيّة والأيديولوجيّة إلى أصل هذا التشظّي داخل المجتمع الجنوبي ( النبطيّة تحديدًا ) فيوسف سلامة (أبو ابراهيم)، أبو البنات وربّ أسرة شيوعيّة تتألف من سبعة أفراد لم يكتفِ بإظهار سلوك المقاتل الأيديولوجي الوفي لليسار ولجبهة المقاومة اللبنانيّة (جمّول) بل أيضًا أظهر مدى صعوبة الانسلاخ عن البيئة وقيمها بالرغم من الاختلاف الايديولوجي والسياسي.
فتوصية الأم المستمرّة لبناتها بعدم ارتداء اللباس القصير، وعدم التأخر في الخارج يشير إلى مدى سيطرة القيم الاجتماعيّة التقليديّة على مفاصل الحياة اليوميّة.
لم يسعَ جابر إلى نقد الحياة الجنوبيّة وتحوّلاتها بشكل مباشر، بل رسم المسار الذي بدأ منذ عام 1982 وما تلاه من انسحاب الجيش الاسرائيلي عام 1985 ومسألة اعتقال يوسف سلامة الذي قات ل الاسرائيليّين لا لأهداف عقائديّة بل دفاعاً عن الأرض والناس.
بين هاتين الفترتين وعبر منهجيّة المسرح المنفرد، تفنّد أنجو ريحان بأدائها أزمة الشخصيّات مع محيطها، بدءًا من أزمة التنشئة والهويّة التي سرعان ما تتخبّط وتتشوش جراء تأثر الشخصيّة الطفلة بالأنشطة المدرسيّة ورد الفعل بعدها ولو بلغة كوميديّة سوداء :”ريسة بدي اعمل مسيحيّة…تردّ الراهبة: نحنا عايشين بالنبطيّة وحزب الله بعدو مبارح رافع شعار لا للطائفيّة، نعم للإسلام!”
من هنا يبين يحيى جابر المشكلة والوجوه والتعقيدات التي تليها، فالانسحاب الاسرائيلي تلاه تنكيلا بالقوى اليساريّة وعمل الأفراد اليساريين على عدم الانجرار إلى غلاف آخر من أغلفة دوّامة الحرب الأهليّة :” يا يوسف هالمرة فجّروا السيارة المرّة الجاي مدري شو رح يعملو “، يرد يوسف :” هيدي شغلة صغيرة وعم نحلها…
يختار جابر أن تسمّي بطلة مسرحيّته الأمور بأسمائها، وهو ما جعل المشاهد يسترجع ذكرياته أو يعايش مرحلة قرأ عنها في الكتب وعرفها في الوثائقيّات، ” إلياس عطالله وجورج حاوي راحو ع عنجر وقالو لغازي كنعان ما رح نوقف عمليّات ضد اسرائيل “
يختار جابر استحضار هذا الحدث ليظهر انعكاس الواقع السياسي على الواقع الاجتماعي ” سوريا عم تضغط علينا، والغرب عم بيضغط عليهن ” لترد زوجة يوسف بـ “وانت عم تضغط عليي”، مشهد يظهر حجم المأساة التي يعيشها الجنوبيون ومن تبقى من اليسار المعارضين للإسلام السياسي الذي طرأ على البيئة الجنوبيّة ومدارسها وبقعها الاجتماعيّة ” لا اذا انتصرتو مخلصين معكن ولا اذا انهزمتو مخلصين معكن “.
تنتهي المسرحية بمشهد تراجيدي يشكل أن النجاة من الموت أمر محال في بلد أنهكته الحروب ليكون السرطان الذي أصاب الأم تاركاً خلفه جملة تغييرات طالت بنات يوسف سلامة، اللواتي شهدن تحوّل المقاومين مثل الدكتور حكمت الأمين والقائدة الكشفيّة في الاتحاد الديمقراطي صورًا إلى جانب صور كمال جنبلاط وسناء محيدلي وغيرهما من المقاتلين والقادة.

