تتداول معلومات تفيد بأنّ لبنان على وشك خسارة نحو خمسة آلاف كيلومتر مربع من حدوده البحرية في عملية الترسيم مع قبرص. وفي هذا الصدد، تواصلت “جنوبية” مع العضو التقني السابق في لجنة الخط الأزرق وترسيم الحدود البرّية والبحرية، العقيد المتقاعد الدكتور سعيد بو راشد، الذي أشار إلى أنّ “للبنان حقوقًا بحرية أكبر ممّا هو حاصل عليه حاليًا”.
استسهال الدولة اللبنانية!
غير أنّ ما يشعر به الدكتور بو راشد هو أنّ الدولة تستسهل المسألة، وتريد إنجاز الملف حتى لو كان ذلك على حساب مصالح لبنان، لتنهي الملف من دون حاجة إلى انتظار أو تضييع وقت إضافي. لكنّها، وفق ما يعبّر بو راشد، رؤية مضرة، معتبرًا أنّه في عام 2007 قامت الدولة بدراسة ملف الترسيم البحري، وكان الترسيم حينها يخسر لبنان كثيرًا من المساحات. وفي عام 2014، أصدرت وزارة الخارجية تقريرًا تبنّته مع خرائط ومستندات ورفعته إلى الحكومة، ثم إلى مجلس النواب. أمّا في عام 2023، فقد كلّف رئيس الحكومة نجيب ميقاتي لجنة وضعت مقترحات كانت مطابقة تقريبًا لمقترحات وزارة الخارجية.
سعيد بو راشد يحذر: لبنان قد يخسر آلاف الكيلومترات البحرية في الترسيم مع قبرص!
ويرى بو راشد أنّ ملفي عامي 2014 و2023 يُظهران أنّهما لا يطابقان ملف عام 2007، بل يمنحان لبنان حقوقًا إضافية، لأنّ لجنتي 2014 و2023 اعتمدتا على لجنة واحدة وتأكدتا من المعايير بشكل مناسب. أمّا اليوم، فيبدو أنّ الدولة ستعود إلى تنفيذ ترسيم عام 2007، والاكتفاء بما حصل عليه لبنان، وغضّ النظر عن الخسائر التي سيتكبّدها البلد. ومن وجهة نظره، تكمن مشكلة الدولة اللبنانية في غياب الاستمرارية، إذ في كل مرة تأتي حكومة جديدة، تُلغى القرارات أو الملفات السابقة ويُعاد البدء من الصفر، معتبرًا أنّ هناك غيابًا لوحدة العمل اللبناني.
مفارقة صارخة بين قبرص ولبنان!
ويشير بو راشد إلى أنّ حقوق لبنان في المنطقة البحرية تبلغ 2643 كيلومترًا مربعًا، على أن يكون الحد الأدنى 1620 كيلومترًا مربعًا، استنادًا إلى توصيات اللجنة الوزارية التي عيّنها الرئيس نجيب ميقاتي عام 2023. ويعتبر بو راشد أنّ مساحة الشاطئ اللبناني أكبر من مساحة الشاطئ القبرصي، متسائلًا: “كيف يمكن لقبرص أن تحصل على حدود بحرية تفوق لبنان، علمًا بأنّ شاطئها أقلّ مساحة من الشاطئ اللبناني؟”.
10 أخطاء أساسية في الترسيم البحري تهدد حقوق لبنان وفق دراسة بو راشد
معايير تبسيطية!
أمّا اليوم، فيشير بو راشد إلى أنّ المعايير المتّبعة في الترسيم “تبسيطية”، إذ قامت اللجنة برسم خط الطول أو خط الوسط بين لبنان وقبرص، ثم قسمته إلى نصفين، وحصلت بموجب هذه القاعدة على حقوق لبنان من الحدود البحرية. لكنه يلفت إلى أنّ هذا الترسيم غير مهني، ويتنافى مع أبسط معايير وقواعد الترسيم البحري، لأنّ هناك قواعد ومعايير أخرى معقّدة ومتشابكة لم تُؤخذ في الحسبان، منها معيار “تناسب الشاطئ وتعرجاته”.
ما يهمّ هنا أنّ اللجنة اللبنانية تتجاهل دراسة معايير عديدة تُخوِّل لبنان الحصول على حقوق بحرية كبيرة. ويضرب بو راشد، انطلاقًا من خبرته كمتخصص في الطوبوغرافية ورسم الخرائط البرية والبحرية، أمثلة على قضايا خلافية تتعلق بترسيم الحقوق بين دول أوروبية في بحر البلطيق، وهي ملفات عمل عليها بنفسه خلال عمله في شركة “مابس” السويدية للترسيم البري والبحري بين دول بحر البلطيق.
وأشار من خلالها إلى أنّ حتى أصغر الدول تمكّنت من نيل حقوقها البحرية بفضل اعتمادها على معايير متنوّعة في الترسيم البحري، وعدم حصر الترسيم في معايير تبسيطية.
ترسيم معكوس!
قامت قبرص بإرسال ملف الترسيم عام 2007 إلى الأمم المتحدة، وستبدأ الآن الترسيم مع إسرائيل وسوريا، بينما ذهب لبنان منفردًا لترسيم حدوده مع العدو الإسرائيلي، ومن ثم مع قبرص، متناسيًا ترسيم حدوده مع سوريا أو مع قبرص التركية. وفي هذا السياق، يلفت بو راشد إلى أنّ الدولة اللبنانية تسير “بالعكس” في هذا الملف، ويشدّد على أنّ لبنان كان عليه أن “يرسم مع سوريا أولًا، ومن ثم مع جزيرتي قبرص، وأخيرًا مع إسرائيل”.
أمّا عن الحلول التي يقترحها بو راشد، فتتجلى في أنّ لبنان كان عليه أن يقوم بالترسيم ضمن لجان مشتركة تشمل كل الدول المعنية بالأمر، أي سوريا وتركيا وقبرص وإسرائيل، أو على الأقل من خلال طاولة مفاوضات ثلاثية تضم كلًّا من سوريا ولبنان وقبرص، بحيث تُحل المشكلة لمرة واحدة، ويتجنب لبنان بذلك اعتراض الدول الأخرى على الترسيم الثنائي بين لبنان وقبرص، أو بين لبنان وسوريا كل على حدة.
بو راشد: الدولة اللبنانية تُسهل الترسيم على حساب مصالح لبنان وحقوقه البحرية
مفاقمة المشكلة بدل حلها!
ويؤكد بو راشد أنّ الدولة اللبنانية تظنّ أنّها تحل المشكلات، لكنها في الواقع تفاقمها، لأنه “في المستقبل سيقع لبنان في مشكلات إضافية عند رسم حدوده البحرية مع سوريا، وسيؤدي ذلك إلى نزاعات مع قبرص وتركيا، بالإضافة إلى نقاط غير محددة في الترسيم مع إسرائيل، والتي ابتلعت مساحات إضافية دون علم الدولة اللبنانية”.
عشر أخطاء أساسية!
ويشير بو راشد إلى أنّه عرض أمام مجلس النواب اللبناني رؤيته ودراسته للمسألة، بناءً على طلب لجنة الأشغال، لإبداء رأيه كضابط سابق شارك في عمليات الترسيم، وكاختصاصي أجنبي يعمل في هذا المجال. كما تحدّث البروفيسور روديغر وولفروم، رئيس المحكمة الدولية للبحار سابقًا.
وكانت آراؤهما متطابقة من حيث أنّ الترسيم غير صحيح، وهناك حوالي عشرة عيوب أو أخطاء أساسية على الأقل في الترسيم المقترح من قبل اللجنة المنوطة من قبل الحكومة اللبنانية، مشيرًا إلى أنّه لا توجد لدى اللجنة تبريرات لكل نقطة من النقاط، بل إنّ التبرير الذي قدمته للمعايير التي استندت إليها في الترسيم هو تبرير
خاطئ بحد ذاته.
ورغم كل ما قيل، لم تأخذ الدولة اللبنانية بكلام بو راشد وولفروم، كما تغافلت عن تقرير وزارة الخارجية لعام 2014 وتقرير لجنة الوزراء لعام 2023 لم يُؤخذ في الحسبان، وقامت بتأليف لجنة جديدة تعتمد على معايير عام 2007 بهدف تسهيل عملية توقيع اتفاقية الترسيم البحري مع قبرص، وتجنب الدخول في نزاع حدودي في المحكمة الدولية للبحار. بينما تتناسى الدولة أزمات منها مشكلة قانا وكاريش التي ما تزال قائمة. وختم د. بو راشد بسؤال إلى الحكومة اللبنانية: “هل تعلم أين توجد أماكن حقول النفط والغاز قبل الشروع في عملية الترسيم أو لا تعلم؟!”.

