هل انتهى عهد الإرهاب؟ لماذا تتقارب روسيا وطالبان؟

خالد العزي دكتور علوم سياسية

في مشهد غير مألوف على الساحة الدولية، بدأت روسيا تتخذ خطوات جريئة نحو إعادة صياغة علاقتها بحركة طالبان، التي ما زالت تُصنّف في كثير من دول العالم كجماعة إسلامية متطرفة. ففي أبريل/نيسان 2021، قررت المحكمة العليا الروسية تعليق الحظر المفروض على طالبان، خطوة أثارت الكثير من التساؤلات: ما الذي يدفع موسكو إلى التقارب مع حركة كانت إلى وقت قريب تُصنّف “إرهابية”؟ وهل نحن أمام تحالف استراتيجي ناشئ أم مجرد تقاطع مصالح ظرفي؟

من منظمة محظورة إلى ضيف في منتديات دولية

حتى وقت قريب، كان بإمكان السلطات الروسية اعتقال أي ممثل لطالبان يدخل أراضيها، بموجب المادة 205.5 من القانون الجنائي التي تجرم الانخراط في نشاط إرهابي. ومع ذلك، ومنذ عام 2016، بدأت موسكو تنسج خيوط علاقة جديدة مع الحركة، عبر لقاءات غير رسمية وزيارات متكررة لمسؤولي طالبان إلى العاصمة الروسية. بل إن بعض هؤلاء شاركوا في منتديات اقتصادية كبرى، مثل منتدى سانت بطرسبرغ.

إقرأ أيضا: حارث سليمان يكتب لـ«جنوبية»: رفقا بـ«شيعة لبنان»!؟

وعلى الرغم من أن الإعلام الرسمي الروسي استمر في وصف طالبان بـ”المنظمة الإرهابية المحظورة”، فقد شهد عام 2024 تحولاً دراماتيكياً عندما وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الحركة بأنها “حليف في مكافحة الإرهاب”.

تاريخ عدائي… لكنه لا يُنسى

المفارقة أن العلاقة بين الطرفين لم تكن دائمًا بهذا الدفء. خلال حرب الشيشان الثانية، دعمت طالبان المقاتلين الشيشان، وفتحت لهم قنوات اتصال وتمويل، مما دفع موسكو آنذاك إلى وضع الحركة على قائمة الإرهاب عام 2003. وبعد هجمات 11 سبتمبر، ساندت روسيا الحملة الدولية ضد طالبان، رافضة عرضًا من الملا عمر للتعاون ضد “العدوان الأميركي”، بإشارة قاسية من الكرملين: “اذهب إلى الجحيم”.

لكن هذا التوتر بدأ يخف تدريجياً منذ 2015، حين فتحت موسكو قنوات اتصال مع الحركة، وتحدثت تقارير صحفية عن لقاء سري جمع بوتين بزعيم طالبان آنذاك، الملا منصور، دون أن تؤكده روسيا رسميًا.

تقنين العلاقة: تعديل القوانين أولاً

لتمهيد الطريق نحو علاقة أكثر علنية، وقّع بوتين عام 2024 مرسومًا يتيح حذف منظمات من قوائم الإرهاب، من بينها طالبان. ورغم أن القرار “مؤقت” وقابل للتراجع إذا ما استأنفت طالبان أنشطة متطرفة، فإنه فتح الباب أمام موسكو للتعاون الرسمي مع الحركة دون الحاجة إلى واجهات قانونية.

تقارب محفوف بالحذر

رغم كل هذا، لم تعترف أي دولة، بما في ذلك روسيا، بطالبان كسلطة شرعية في أفغانستان. ومع ذلك، نجحت الحركة في إحراز تقدم دبلوماسي؛ أقنعت كازاخستان وقرغيزستان بشطبها من قوائم الإرهاب، ونالت موافقة الصين على تعيين سفير لها، فيما اكتفت موسكو بتعيين “قائم بالأعمال”.

يرى محللون روس أن تقارب موسكو من طالبان يعكس رغبة الكرملين في تعزيز نفوذه في آسيا الوسطى، خاصة مع تدهور علاقاته بالغرب في أعقاب غزو أوكرانيا. الانسحاب الأميركي من أفغانستان عام 2021 منح روسيا فرصة ذهبية لإعادة تموضعها إقليميًا، ووسائل الإعلام الروسية لم تتردد في استغلال ذلك لترويج رواية فشل واشنطن، ولإظهار طالبان كشريك “فعّال”.

طالبان داخل روسيا: لا خطر حقيقي؟

رغم المخاوف من أن تتحول طالبان إلى مصدر إلهام للجماعات المتطرفة داخل روسيا، يبدو أن الحركة لا تسعى إلى تصدير أيديولوجيتها أو إقامة خلايا نشطة خارج أفغانستان، بخلاف تنظيمَي “داعش” و”القاعدة”. كما أن الفكر الطالباني، رغم انتمائه السني، يظل غريبًا عن البيئة الدينية الروسية، التي تتبنى طابعًا أكثر اعتدالًا.

إقرأ أيضا: تحذير خطير لـ«الحزب».. الحرب الإسرائيلية باتت وشيكة والضاحية في دائرة الاستهداف

مع ذلك، أبدى مفتي المجلس الروحي لمسلمي روسيا، ألبير كرغانوف، قلقه من تنامي العلاقة مع طالبان، خاصة من احتمال تسلل عناصر متشددة من آسيا الوسطى إلى الداخل الروسي، مما قد يُزعزع استقرار بعض المناطق ذات الغالبية المسلمة.

الاقتصاد حائر… والشركات مترددة

رغم توقيع اتفاقيات بين موسكو وكابول، تشمل تصدير القمح والوقود، فإن الواقع الاقتصادي لا يعكس بعد شراكة قوية. لا تزال الشركات الروسية مترددة في دخول السوق الأفغانية، نظرًا لعدم الاستقرار الأمني والسياسي. على العكس، تظل الصين وإيران وباكستان هي الشركاء الأكثر نشاطًا مع طالبان حتى الآن.

تقارب مصالح أم تحالف دائم؟

حتى اللحظة، لا يمكن وصف العلاقة بين موسكو وطالبان بأنها تحالف استراتيجي. ما يجمع الطرفين هو تقاطع مصالح أكثر منه انسجامًا أيديولوجيًا أو سياسيًا. روسيا تسعى إلى تعزيز موقعها الإقليمي وكسر عزلتها الدولية، فيما تطمح طالبان إلى كسر الحصار السياسي والدبلوماسي المفروض عليها.

لكن الشروط المطلوبة لتحويل هذا التقارب إلى تحالف حقيقي لا تزال غائبة، مثل:

-الاعتراف الرسمي بطالبان، وهو ما تتجنبه موسكو حتى الآن.

-بناء الثقة المتبادلة، وهي ما تزال محدودة بسبب التاريخ العدائي والاختلاف في الرؤية السياسية والدينية.

-تحقيق الاستقرار الداخلي في أفغانستان، كشرط ضروري لجذب الاستثمارات وضمان مصالح موسكو الاقتصادية.

أضف إلى ذلك، أن البيئة السياسية والدينية في روسيا لا تزال غير مهيأة لتقبّل طالبان كشريك دائم، خاصة مع الخطاب المعتدل الذي تروّج له الدولة الروسية، وتخوّف القيادات الروحية من الفكر الطالباني المحافظ.

علاقة تكتيكية… لا تحالف دائم

في نهاية المطاف، يبدو أن العلاقة بين روسيا وطالبان تحكمها الضرورة لا القناعة، والمصالح لا المبادئ. كلا الطرفين يستخدم الآخر لتجاوز أزماته الخاصة: طالبان تبحث عن شرعية دولية، وروسيا تسعى لفرض نفسها كقوة إقليمية قادرة على الحوار حتى مع منبوذي المجتمع الدولي.

لكن يبقى السؤال: هل يتحول هذا التقارب إلى تحالف حقيقي؟

الأيام وحدها ستجيب. فبين الحسابات السياسية والمصالح الاقتصادية والقيود الأمنية والثقافية، تظل العلاقة بين موسكو وطالبان متأرجحة بين التكتيك والتحالف، وبين الضرورة والإيديولوجيا، في مشهد دولي لا يفتقر إلى المفاجآت.

السابق
اشتباك مسلح على الحدود اللبنانية-السورية.. ماذا حصل؟
التالي
رسالة من عبد المنعم يوسف إلى وزير الإتصالات السوري عبد السلام هيكل