حزب الله في مرآة الهزيمة: حين تتحوّل «المقاومة» إلى خطابٍ ضد الدولة

حزب الله واسرائيل

منذ حرب أيلول ٢٠٢٤، دخل لبنان طوراً جديداً من هشاشة التوازن بين الدولة ودويلاتها. فإسرائيل لم تتوقف يوماً عن قصف مواقع حزب الله في الجنوب والبقاع، بينما تحوّلت بيروت إلى ساحةٍ سياسية مفتوحة تتقاطع فيها الخطوط الحمراء الداخلية مع الخطوط النارية الخارجية.

ومع تولّي الرئيس نواف سلام رئاسة الحكومة في شباط ٢٠٢٥، عقب اتفاق وقف إطلاق النار الذي نصّ صراحةً على نزع سلاح الحزب وإعادة السيادة للدولة اللبنانية، بدا وكأن البلاد أمام لحظة اختبارٍ وجودي: إمّا أن تستعيد الدولة شرعيتها الكاملة، أو تظلّ عالقة في فراغٍ أمني تمسكه الجماعات المسلّحة باسم المقاومة.

المشهد انقلب على نحوٍ مألوفٍ ومضحكٍ في آن. فكلّما أغارت الطائرات الإسرائيلية على مواقع الحزب، تبدأ جولة جديدة من الشتائم

لكنّ المشهد انقلب على نحوٍ مألوفٍ ومضحكٍ في آن. فكلّما أغارت الطائرات الإسرائيلية على مواقع الحزب، تبدأ جولة جديدة من الشتائم والاتهامات داخل لبنان. بيئة الحزب، التي تلوذ بصمتٍ تامّ تجاه إسرائيل، تطلق العنان لغضبها على الرئيس نواف سلام:

“وين الدولة؟ هيدي السيادة يا عملاء؟ فشرتو ننزع سلاحنا!”

وهكذا، يتحوّل كلّ قصفٍ إسرائيلي إلى مناسبةٍ لإعادة إنتاج الخصومة الداخلية، كأنّ بيروت تعوّدت أن تحارب نفسها أكثر مما تواجه عدوّها.

الحزب الذي بنى مجده على “المقاومة” يجد نفسه اليوم أمام أزمة هويةٍ قاتلة. فالتفوّق التكنولوجي الإسرائيلي جرّده من عنصر المفاجأة، والضغوط الدولية جرّدته من شرعية السلاح، والانكشاف الاستخباري جعل سرّه مكشوفاً أكثر من أي وقتٍ مضى.

من هنا، صار العجز عن الردّ العسكري يُعوَّض بخطابٍ صاخب ضد الدولة. إنّه إنكارٌ مضاعف: إنكار للهزيمة أمام العدو، وإنكار لواقع أنّ “المقاومة” لم تعد تملك زمام المبادرة ولا حماية بيئتها كما في السابق.

سيكولوجياً، يعيش الحزب وبيئته حالة خوفٍ وجوديّ مؤجَّل. فالتنازل عن السلاح يعني فقدان مبرّر الوجود، والتمسّك به يعني خسارة الشرعية. ولأنّ الخيارات محصورة بين موتٍ رمزي وموتٍ سياسي، يختار الحزب الهروب إلى الأمام: يهاجم الداخل ليغطي على انكشافه أمام الخارج، ويُشيطن الرئيس ليحافظ على تماسك جمهوره.

سقوط نظام بشار الأسد وصعود الرئيس أحمد الشرع وحكم الأغلبية السنّية في دمشق مثّل ضربةً استراتيجية قاصمة لمحورٍ ظلّ يشكّل الرئة الخلفية للحزب

لكنّ التحوّل الأعمق جاء من الخارج أيضاً. فسقوط نظام بشار الأسد وصعود الرئيس أحمد الشرع وحكم الأغلبية السنّية في دمشق مثّل ضربةً استراتيجية قاصمة لمحورٍ ظلّ يشكّل الرئة الخلفية للحزب. فقدَ ممرّه الحيويّ، وتبدّدت شبكة الأمان التي طالما منحته القدرة على المناورة. ومع انكفاء إيران نحو حساباتها الجديدة، وجد الحزب نفسه معزولاً، محاصراً، ومتورّطاً في معركة بقاءٍ ضد الزمن والواقع معاً.

في المقابل، يواجه الرئيس نواف سلام هجوماً متكرّراً كلّما قصفت إسرائيل. إنّه الرجل الذي أصبح، في نظر خصومه، رمزاً لـ”السيادة المزيّفة”، لكنه في نظر العالم والشريحة الأوسع من اللبنانيين، تجسيدٌ لمحاولة إنقاذ الدولة من غرقٍ طويل.

مفارقته أنّ الشتائم التي تُكال له تكسبه رصيداً إضافياً في الخارج، وتجعله أقرب إلى صورة رجل الدولة الذي يواجه ما تردّد غيره في مواجهته.

اليوم، يعيش لبنان بين دولتين تتنازعان الذاكرة والشرعية: دولة تحاول أن تنهض بالدستور والقانون، ودولة موازية تحتمي بخطابٍ عقائديٍّ أكل عليه الزمن وشرب. وفيما تنشغل الأولى بإعادة بناء مؤسساتها، تُغرق الثانية البلاد في معارك الوهم والهوية.

النتيجة: وطنٌ يُقصف من السماء ويُجلد من الأرض.
صواريخ إسرائيل تدمّر الحجر، وصواريخ الخطاب تدمّر المعنى. كلّ غارةٍ جديدة تفتح باب المزايدات القديمة. الحزب يصرخ باسم الكرامة — (كعادته في ترتيب وتعظيم المفردات متناسياً أن الكرامة تبدأ من الحفاظ على إنسانية الفرد وعدم استغبائها) — وهو يُفرّط بها. الدولة تتحدّث عن السيادة وهي تُصارع من أجل البقاء، والناس، كعادتهم، يراقبون من شرفات العجز والإنهاك.

أحد يقصف لبنان كما يقصفه أبناؤه بالكلمات. السماء تُمطر ناراً، لكنّ الجراح الأعمق تأتي من اللسان والذاكرة والخوف

في نهاية المطاف، لا أحد يقصف لبنان كما يقصفه أبناؤه بالكلمات. السماء تُمطر ناراً، لكنّ الجراح الأعمق تأتي من اللسان والذاكرة والخوف. قد تسقط الطائرات يوماً، وقد تُطوى البنود وتُوقّع الاتفاقات، لكنّ هذا البلد لن يتعافى ما لم يدرك أن السيادة لا تُبنى بالصراخ، ولا تُحمى بالسلاح، بل تُصان بالصدق والشجاعة.

لبنان لا يحتاج إلى مزيدٍ من الشعارات، بل إلى لحظة صمتٍ شريفة، يسمع فيها الجميع أنّ الوطن لم يعد يحتمل أن يُقصف من فوق ويُخان من تحت.

السابق
في ذكرى استشهاده… قائد الجيش يفتتح ثكنة المقدّم محمد فرحات في كفردونين
التالي
وزير إسرائيلي يهاجم السعودية بعنصرية: استمرّوا بركوب الجمال!