لم تعد حادثة التلاعب في العلامات داخل كلية الحقوق – الفرع الأول في الجامعة اللبنانية مجرد همس في الممرات، بل تحوّلت إلى قضية رأي عام هزّت صرح التعليم الرسمي في لبنان. فبعد تسريبات كشفتها صحف لبنانية ، تبيّن أن ملفاً خطيراً يتعلّق بتزوير أوراق امتحانات وتواقيع أساتذة بهدف تنجيح طلاب كويتيين، قد وضع الجامعة تحت مجهر القضاء والأمن، ودفع إدارتها إلى اتخاذ إجراءات عاجلة وغير مسبوقة.
التحقيقات انطلقت بناءً على استنابة قضائية وإشارة من النيابة العامة، فوضع جهاز أمن الدولة يده على الملف، فيما سارع رئيس الجامعة بسام بدران إلى إعفاء مدير الكلية، الدكتور مجتبى مرتضى، من مهامه “بناء على طلبه”، وتكليف الدكتور سامر ماهر عبدالله بإدارة الفرع مؤقتاً، بانتظار ما ستكشفه التحقيقات الإدارية والجنائية الجارية، مع العلم ان فساد المحاصصة السياسية هو ركيزة اساسية في التعيينات بكليات الجامعة اللبنانية، فالمسلم به ان ادارة كلية الحقوق الفرع الاول ومنذ عقود محسوبة على حركة أمل.
واشارت معلومات صحيفة “نداء الوطن” إلى أن “أحد المتورّطين هو فادي أبو ديّة، المعروف بكونه من أبرز أبواق إعلام الممانعة، والذي استعجل عملية التزوير لتأمين المؤهّل الجامعي الذي يتيح له الترشح إلى مقعد نيابي، فيما المتورّط الثاني يدعى موسى حمية”.
العدالة الأكاديمية على المحك… والجامعة تحت الاختبار الأكبر
تزامناً مع الإجراءات الإدارية، شكّل بدران لجنة داخلية للتحقيق، وعلّق عمل ستة موظفين يُشتبه بتورّطهم، واضعاً إياهم في تصرّف إدارات أخرى إلى حين جلاء الحقائق. أما داخل أروقة الجامعة، فالأجواء أشبه بزلزال أخلاقي؛ فالحديث يدور عن تواقيع مزوّرة ومسابقات معدّلة أُرسلت إلى الملحقية الثقافية الكويتية التي اكتشفت الخلل خلال مراجعة دورية لنتائج طلابها.
مصادر داخل الجامعة أكدت أن “الإجراءات بحقّ المرتكبين ستكون قاسية ولن يُغطّى أي فاسد”، في إشارة واضحة إلى رغبة الإدارة في استعادة ما تبقّى من صدقيّة مؤسسةٍ كانت يوماً عنواناً للتفوق والعدالة التعليمية في لبنان.
لكن خلف هذا المشهد الرسمي، يبقى السؤال الأكبر: هل تكفي الإعفاءات والتكليفات المؤقتة لترميم الثقة؟
الجدير ذكره، ان مجلس الجامعة اللبنانية غير موجود حاليا، والقرارات يتخذها الرئيس بدران منفردا، وذلك بسبب عدم تعيين عمداء جدد للكليات بسبب الخلافات السياسية حول الاسماء والمؤهلات، اضافة الى محاولة ربط التعيينات بمطلب تفرّغ الاساتذة المتعاقدين، والتحاصص الطائفي والحزبي المنبثق عنها.
الجامعة اللبنانية التي شكّلت لعقودٍ ركيزة للطبقة المتعلمة في البلاد، تواجه اليوم امتحاناً مصيرياً، ليس في أوراق الامتحانات، بل في ضميرها الأكاديمي. فإما أن تثبت قدرتها على تنظيف بيتها الداخلي بشفافية تامة، وإما أن تتحوّل هذه الفضيحة إلى محطة أخرى في مسار انهيار القيم والمؤسسات في لبنان.
اقرا ايضا: بين الجمود النيابي والتصعيد الإقليمي: المسيّرات تجتاح سماء لبنان وترامب يلوّح بتدخّل في غزة

