يشهد سوق العقارات في الضاحية الجنوبية لبيروت حالة غير مسبوقة من حركة البيع، إذ يتسابق سكان المنطقة، التي تُعد مركز نفوذ «حزب الله»، للتخلّص من شققهم السكنية خشية استهدافات إسرائيلية محتملة أو اندلاع حرب جديدة على لبنان، مع تصاعد المخاوف بعد انتهاء الحرب في غزة.
فـعلي ب. (46 عاماً)، واحد من هؤلاء الذين سارعوا إلى البيع، إذ باع شقته في منطقة الرويس بـ105 آلاف دولار، أي أقل بنحو 30 ألف دولار من قيمتها قبل عام، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إنّه أراد «تحصيل جزء من ثمنها قبل أن يخسرها بالكامل في حال استُهدفت»، واصفاً الشقة بأنّها «جنى عمره» بعد سنوات الغربة.
إقرأ أيضا: 17 تشرين: ذكرى انتفاضة لم تكتمل فصولها
ولا يختلف حاله عن كثيرين من سكان الضاحية الذين يعرضون شققهم للبيع على مواقع الإعلانات الإلكترونية، بعدما أصبحت فكرة «الرحيل الآمن» أولوية في ظل التوتر الأمني القائم. فالمشهد تغيّر كلياً منذ عودة الغارات الإسرائيلية إلى الضاحية في مارس (آذار) الماضي، وتزايدت الإعلانات العقارية مع تزايد الحديث عن احتمال تجدد الحرب.
سيناريو الخسارة الكاملة
يقول أبو حسين، الذي يملك شقة في السان تيريز: «عرضت شقتي للبيع منذ أكثر من شهر لأتمكّن من دفع الإيجار في بشامون، حيث نزحت مع عائلتي». ويضيف: «تضررت شقتي عدة مرات أثناء الحرب الماضية، وإذا اندلعت حرب جديدة، قد أخسرها كلياً، لذلك أفضل بيعها بسعر منخفض على أن أراها مدمّرة».
وتشير تقارير ميدانية إلى أن إسرائيل استهدفت الضاحية مرات عدة حتى بعد وقف إطلاق النار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، ما أدى إلى تضرر عدد كبير من الشقق السكنية.
تراجع الأسعار بنسبة تصل إلى 50%
يؤكد وسطاء العقارات أن ظاهرة البيع أصبحت «عامة»، وأن عدد الشقق المعروضة ارتفع بشكل كبير، بينما الطلب شبه معدوم. ويقول أحد السماسرة: «البيع اليوم يتم في حالات نادرة، رغم انخفاض الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة».
ففي قلب الضاحية، تراجع سعر المتر المربع من 1300 – 1500 دولار إلى ما بين 500 و700 دولار، بينما في المناطق الأعلى سعراً مثل حي الأميركان والسان تيريز، انخفض من 2000 – 3000 دولار إلى نحو 1000 دولار فقط.
ويضيف الوسيط: «الذين يشترون اليوم هم قلّة من الميسورين الذين يراهنون على ارتفاع الأسعار بعد انتهاء الحرب للاستثمار لاحقاً».
خوف واستباق للمجهول
من جهتها، قررت لمى بيع شقتها قبل اندلاع الحرب بفترة قصيرة، وانتقلت إلى الحازمية، موضحة: «أردت أن يعيش أطفالي حياة آمنة، وشعرت بأن الوضع في الضاحية يتجه نحو الأسوأ». وتقول إنّ أبناءها عاشوا «ظروفاً نفسية صعبة بسبب المسيرات والطلعات الجوية الإسرائيلية اليومية».
إقرأ أيضا: هل يقترب لبنان من مفاوضات مباشرة مع إسرائيل؟ بين الواقعية السياسية وهاجس الاعتراف
ورغم مرور نحو عشرة أشهر على نهاية الحرب، لا يزال كثير من المتضررين ينتظرون تعويضات حقيقية، إذ لم يحصلوا سوى على بدل إيواء وأثاث. ويُقدّر البنك الدولي عدد الوحدات السكنية المدمرة والمتضررة بأكثر من 162 ألف وحدة، فيما تشير مؤسسة «جهاد البناء» إلى تجاوز العدد 348 ألف وحدة، في وقت تتواصل فيه الغارات الإسرائيلية شبه اليومية على لبنان.
وفي ظل هذه الصورة القاتمة، يبدو أن «الضاحية الجنوبية» تشهد نزوحاً عقارياً صامتاً، يعبّر عن خوف اللبنانيين من حرب جديدة قد تُحوّل ما تبقّى من بيوتهم إلى أنقاض.

