«الليلة أستطيع أن أكتبَ أحزنَ الأبيات.
أكتب، مثلاً: الليل يتناثر، والنجوم الزرقاء ترتعش بعيدًا، وريحُ المساءِ تدور في السماء وتغنّي.
الليلة أستطيع أن أكتب أحزن الأبيات… روحي لا ترضى بخسارتها. عيني تبحثان عنها كما لو أرادتا أن تبلغاها.
قلبي يفتش عنها، لكنها لم تَعُد معي. نفسُ الليل يصبغ ذات الأشجار بالبياض، لكننا لم نَعُد كما كنا في الماضي…
يحاول صوتي أن يبلغَ نسيمَها، أن يلمسَ سمعَها… ستكون قبلاتي مثل قبلاته. نسيمها.
لم أعد أحبها، هذا أكيد، لكن ربما… ربما ما زلت أحبها.
الحب قصيرٌ جدًا، وطريق النسيان ممتدٌّ إلى الأبد.
لأنه في ليالٍ كهذه احتضنتُها بين ذراعيّ.
روحي لا ترضى بخسارتها.
حتى ولو كان هذا آخرَ ألمٍ تسوقه إليّ، وهذه آخرَ أبياتٍ أكتبُها لها».
الشاعر: “بابلو نيرودا“
بين المثل الإفريقي وعبث الثقة الزائفة
يقول المثل الأفريقي: “الرجل أو الجهة أو المسؤول الذي يبتلع جوز الهند بالكامل لديه ثقة كاملة في بطنه أو شرجه”.
هذا المثل يُستخدم بشكلٍ ساخر في الكوميديا السوداء للإشارة إلى الأشخاص الذين يتخذون إجراءات مشبوهة أو متهورة، ويعتمدون على قدرتهم فقط على التعامل مع أي عواقب وتداعيات ونتائج مشبوهة، وفقًا لقناعات وأيديولوجيات أكثر شبهاتٍ مما تبدو عليه.
ساعة بإسم “الدين” وما خُفي أعظم، وساعة بإسم الدنيا والقادم أعظم.
نعم، زواج عتريس من فؤادة باطل، أو بالأحرى زواج إسرائيل من حماس باطل، حيث إنّ حماس وما تمثّله من ارتباطات مشبوهة لا تمثّل الشعب الفلسطيني، وليست ممثلية الشعب الفلسطيني…
وهذا ما يفسر عدم إعطاء رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس “فيزا” إلى الولايات المتحدة الأمريكية لحضور دورة الأمم المتحدة الـ88 في مدينة نيويورك، ليحضر مراسم الدفن في وقت اعتراف العالم بالدولة الفلسطينية…
تناقض ليس له تفسير سوى في الدولة العالمية العميقة وحقيقة نظرية المؤامرة التي يرفضها مثقفو التوقيع على بياض دون قراءة أو كتابة، وكأنّ التاريخ ورقة بيضاء نظيفة!
شيء من الخوف”: مجازٌ للواقع العربي
رواية “شيء من الخوف” تدور في قرية “افتراضية”، حيث يفرض الإقطاعي “عتريس الجد” سلطته على أهالي القرية ويجبي منهم الإتاوات.
يتربى في كنفه “عتريس الحفيد” على القهر والقسوة والظلم والغطرسة.
كان عتريس الحفيد يحب فتاة تدعى “فؤادة”، ولكن فؤادة، التي لم تكن راضية عن شخصية عتريس الحفيد السيئة، تتحداه بفتح الهويس الذي أغلقه عقاباً لأهل القرية عندما قُتل أحد رجاله من قبل سكان القرية، مما تسبب في جفاف الأرض والمحاصيل وانتشار العطش والموت.
فيقرر عتريس أن يتزوج فؤادة غصباً عنها وعقابًا لها.
ولا يستطيع “أبو فؤادة” أن يعصي أمر عتريس فيزوجها له بشهادة شهود باطلة خوفًا منه رغم عدم موافقتها على ذلك.
وعندما يعلم عتريس لاحقًا أن فؤادة لم توافق على الزواج ولم تمكنه من نفسها، وأن العقد باطل، يحتفظ بها في بيته، وتثور ثائرته، وينتقم من أبيها ويحرق أراضيه ويعيث في القرية فسادًا.
تتمنع فؤادة عن عتريس وتلبس الأسود حدادًا وتقف موقفًا بطوليًا يحرك شباب القرية ليثوروا ضد عتريس بسبب هذا الزواج الباطل.
يكثر الكلام واللغط عن عتريس وفؤادة، فيتصدى الشيخ إبراهيم وابنه محمود لعتريس، ويجاهر بأن زواج فؤادة من عتريس باطل.
فيقتل عتريس محمود يوم عرسه على عزيزة.
يأتي مشهد النهاية في جنازة محمود، وفيها يردد الشيخ إبراهيم جملته الشهيرة: “جواز عتريس من فؤادة باطل”، ويردد كل أهل القرية وراءه: “باطل… باطل… باطل”.
ويتوجهون إلى منزل عتريس الذي لا يستطيع مقاومة كل أهل القرية مجتمعين، فيحرق أهل القرية منزله وهو بداخله، وتكون هذه نهاية عتريس جزاءً لأفعاله وأفعال جده الإقطاعي الظالم الذي سرق الأرض وجاء حفيده يرثها ويقتل الناس ويقطع الماء ويسبي الأعراض…
دون أن يعلم عتريس الجد أو الحفيد أن من مات دون أرضه فهو شهيد، ومن مات دون عرضه فهو شهيد، ومن مات دون ماله فهو شهيد.
غزة و”الاتفاق الباطل”
يأتي “الإعلان عن اتفاق وقف الحرب في غزة”، التي لم يبقَ منها حجر على حجر، وأكثر من مئة ألف شهيدة وشهيد فوق الأرض، ومثلهم تحت الأنقاض والركام، دون ذكر مئات آلاف الجرحى…
مشهد النهاية هذا باتفاق بين إسرائيل وحماس — وحماس ليست ممثل الشعب الفلسطيني وغزة لا تختصر فلسطين — على كل بنود وآليات تنفيذ وقف إطلاق النار بعد أن أصبحت غزة أنقاضًا وركامًا.
في حين أن إزالة الركام وحدها تحتاج لأكثر من عشر سنوات متواصلة، لعلم أصحاب نظريات “طوفان الأقصى”…
“فتعالي، تعالي نبكي الأموات… ونبكي الأحياء… فأنت حزينة… والحزن ثقيل في الليل… فكيف أتوب؟ تلك ذنوب…”
بين المقاومة والمؤامرة
المشكلة، أو بالأحرى الأمراض المزمنة التي يجب على النخب والمثقفين شرحها وتفنيدها ووصف العلاج اللازم لها، هي أن ما يسمى “مقاومة”، أو ما تعودنا على تسميته مقاومة، في حقيقة الأمر ليست مقاومة.
بل أجندات على أعلى وأخطر مستويات المؤامرة التي أوصلتنا وأوصلت شعوبنا إلى ما نحن عليه في الركب الأخير من الأمم…
خارج محطات قطارات العالم والعالمية في كل مقاييسها وأبعادها ومخططاتها.
كل التحالفات والمؤامرات التي نسجتها إسرائيل والصهيونية العالمية عبر ما يسمى رموزًا وقياداتٍ وأصنامًا وأحزابًا سياسية ومنظمات مشبوهة، ودول ما كان يُعرف في السبعينيات والثمانينيات مثل “دول الصمود والتصدي” ومحور أو “مخمر الممانعة” في أيامنا هذه…
المقاومة في هذه الأيام الممتدة منذ أربعة عقود ليست سوى تحالفات غادرة واضحة للعيان والعميان وضوح الشمس عند شروقها وعند مغيبها، ضد الأمة العربية لتطويقها وتطويعها واستسلامها.
لأننا نعيش حروبًا جيوسياسية بما تحمله الكلمة من معانٍ وأهداف مبيّتة وغير مبيّتة تاريخيًا، في الجغرافيا التي حملت في تاريخها معظم وأهم الحضارات، وتحت سمائها كل الأديان، وفي أرضها نصف طاقة العالم، وأهم ممرات ومضائق الأرض…
طز بكل ما كان يسمى “يسارًا” عربيًا… وطز بكل ما كان وما زال يسمى “مقاومة” لا تمتّ إلى المقاومات الوطنية بصلة… وطز بكل ما كان يسمى أحلافًا وأحلامًا “تقدمية”.
فالخيانات لا تحتاج إلى تحليل لاكتشافها وفضحها، والدماء الغزيرة التي دفعتها شعوبنا تكفي وتزيد مئات المرات.
نحو “مراسم الدفن الكبرى”
هل نحتاج، أو هل دماؤنا رخيصة إلى هذا الحد كما جرى في مؤامرة ما يسمى “طوفان الأقصى”، كي تُباد غزة عن بكرة أبيها من أجل هذا الاتفاق — النفاق — أو التوقيع الأولي على دفن القضية الفلسطينية بشكل نهائي يا “إخوان الشياطين”؟
احذروا إسرائيل وإيران يا عرب، ولا تأمنوا جانبهم، أو أي طرفٍ يتعامل معهم أو من خلالهم.
وأنا أتحدث هنا عن العرب العاربة، لا المستعربة “لغويًا” و”فكريًا”.
وما لا تستطيع تغييره بيدك؛ فبقلبك، وذلك أضعف الإيمان.
وأنا في هذه الأيام من الذين قلوبهم ضعيفة، أو بالأحرى من القلوب المصابة بالقرف.
نصيحة: لا تتناولوا شراب ماء جوز الهند قبل كسر الجوزة لتتأكدوا وتطمئنوا أن ماءها ليس ماءً عفنًا فاسدًا.
ملاحظة:
حماس من وقّع، وليست ممثلية الشعب الفلسطيني: منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية، مما يعني حروبًا فلسطينية – فلسطينية…
وهذا يعني نهاية ودفن القضية الفلسطينية وكل الاتفاقيات الدولية الموقعة سابقًا بما يعود إلى قيام الدولتين أو الأرض مقابل السلام.
وهذا ما يأخذنا إلى عدم إعطاء رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس “فيزا” للولايات المتحدة الأمريكية لحضور دورة الأمم المتحدة الـ88 في مدينة نيويورك.
هكذا أصبح كل شيء جاهزًا لتحضير مراسم الدفن… دفن ما تبقى من القضية الفلسطينية… باسم “المقاومة”!
إقرأ أيضا: الخلاف الراسخ مع حزب الله: بين القداسة وازدواجية المشروع

