ردَّت المملكة العربية السعودية على إسرائيل بعد قصفها العاصمة السورية دمشق ووزارة الدفاع وقيادة الأركان، بإطلاق المشروع الإقتصادي والإعماري والإستثماري في هذه البلاد، مع زيادة في تعزيز رؤية الرياض قيام وإنشاء تكامل وتعاون عربي إقتصادي وإنمائي وأمني، قادر على مواجهة إسرائيل وخلفها سياسة الصفقات التجارية التي تنتهجها واشنطن في المنطقة، فحصل إنعقاد مؤتمر نيويورك كبداية مسار جديد، ويتحول إلى ورشة لصناعة قرارات، فحل الدولتين لم يمت، فهذه فرصة المجتمع الدولي وإذا لم يتحرك الآن، فإن المشهد سيتغير إلى صراع بلا أفق، فهي لحظة تاريخية شكلت فاصلاً بين عالم يبحث عن سلام، وعالم إستسلم لواقع العنف الدائم، فمساحة الوقت تضيق كثيراً بعد التوحُّش الكبير الحاصل في المنطقة.
كشف المبعوث الأميركي توم باراك عن وجود مهلة زمنية لحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، كانت تنتهي في الأول من آب الماضي، ويُفهم من ذلك أن الإدارة الأميركية ترغب في مواصلة الضغط على السلطات اللبنانية لدفعها إلى مبادرة في تسريع عملية حصر السلاح بيد الدولة، وإلّا فإن أميركا لا يمكنها أن تضمن أفعال إسرائيل، أو تمنع عدواناً واسعاً جديداً، طالما أن الدولة اللبنانية عاجزة عن تطبيق موجبات القرار الدولي ١٧٠١ وحصرية السلاح بيد الجيش والقوات الأمنية الشرعية وفقاً لإتفاق وقف إطلاق النار.
تزداد المخاطر التي تداهم البلد من جديد في الجنوب المنكوب والبقاع وبيروت والضاحية وباقي المناطق من دون أن يكون للحكومة اللبنانية رؤية وخطة دبلوماسية، واضحة في ظل إستبعاد خيار نزع السلاح بالقوة حتى تقع الكارثة الكبرى
لا واشنطن قادرة أو راغبة بمنع تل أبيب من تحقيق أهدافها القادمة بأي شكل تريده حكومة نتنياهو، ولا الثلاثية اللبنانية، قادرة أو راغبة بالدخول في صراع داخلي مع حزب الله، وتكون نتيجته الحتمية تهديد السلم الأهلي في لبنان، ولذلك فإن حال الجدل البيزنطي حول وجوب تسليم السلاح أو نزعه، مقابل إعلان قادة الحزب تمسّكهم بالسلاح، لن يصل إلى أي نتيجة ممكنة ليحول لبنان من السقوط في الهاوية والجحيم، وهنا وجَبَ حتما إيجاد الطريق المختلف عن كل مسارات الصراعات الداخلية المحكومة بالتبعية للخارج، وتزداد المخاطر التي تداهم البلد من جديد في الجنوب المنكوب والبقاع وبيروت والضاحية وباقي المناطق من دون أن يكون للحكومة اللبنانية رؤية وخطة دبلوماسية، واضحة في ظل إستبعاد خيار نزع السلاح بالقوة حتى تقع الكارثة الكبرى، هذا في لبنان أما في فلسطين فلا سفينة مساعدات ولا إنسانية بحدها الأدنى، يمكن أن ترضى عن هذا الواقع الظالم بحق شعب يُباد على مرأى الأمم، ولا يمكن تفسير مدى اللامبالاة والتقاعس وإنعدام الضمير الإنساني الذي نراه تجاه ما يحدث في غزة، فأزمة غزة ليست إنسانية فقط، بل تشكّل تحدّياً أخلاقياً للضمير العالمي، حيث العالم بأكمله جباناً وضعيفاً ومتخاذلاً، بل وجزء كبير منه متآمر ومتواطئ وشريك في الجرائم البربرية، بحق الشيوخ والنساء والأطفال.
ومع كل ذلك، فقد أطلقت السعودية خطّة إقتصادية وحزمة استثمارات تصل إلى 7 مليارات دولار، برعاية وليّ العهد السعودي الأمير محمّد بن سلمان ومشاركة وفد كبير شمل 20 جهة حكومية وأكثر من 100 شركة عامّة وخاصّة في منتدى الاستثمار السعودي السوري ولتقدّم نموذجها الجديد لمنظومة علاقاتها السياسية والاقتصادية في الإقليم، وهذا فيه رسائل كثيرة وفي أكثر من إتّجاه، بأنّ استقرار الحكم في دمشق ونهوض الدولة وإقتصادها يحظيان بعناية القيادة السعودية، وتلك رسائل خطيرة في ظلّ القبول الموضوعي بين إسرائيل وإيران على مشروع الإطاحة بحكم أحمد الشرع، لإعادة الصراع على سوريا إلى المربّع الأول.
إن ما حصل في سوريا، من تدفق في الإستثمارات بشكل كبير الى هذا البلد، ومستوى التمثيل فيه، قد حدد قاعدة وضع حداً لإسرائيل والمجتمع الدولي، بأنّ السعودية لن تتهاون تجاه محاولات تقويض إستقرار سوريا
فهذه الإستثمارات ترتبط صورتها الإستراتيجية الكبيرة بالمنطقة العربية من جهة، وبالمصالح الإقتصاديّة التي تخدم رؤية 2030 ، فهي أعطت إشارةً لرغبة الرياض برؤية سوريا دولةً موحّدةً، ذات سلطة مركزيّة مقتدرة، ومن اللافت شمول الإستثمارات السعودية في سوريا، قطاعات إستراتيجيّة هي في صلب مشروع 2030، التي أطلقها وليّ العهد السعودي قبل عشر سنوات، وربّما المهم هنا، أنّ لدى الشركة أكبر مشروع للهيدروجين الأخضر في العالم، في منطقة نيوم بالقرب من الأردن، لتصدير الطاقة المتجدّدة والهيدروجين الأخضر إلى أوروبا، وهو ما قد يُشير إلى إمكان أن تكون سوريا على خريطة خطوط الطاقة، ذات البعد الاستراتيجي بين السعودية وأوروبا، إذ تعبّر كل هذه المشاريع عن تصوّر واضح بأنّ رؤية المملكة، ببُعدَيها الإقتصادي والسياسي، تمثّل فرصة لسوريا ومعها لبنان وللمنطقة بكاملها، وهو يقوم بما يجب أن يقوم به للإستفادة ممّا تفتحه من أبواب.
إن ما حصل في سوريا، من تدفق في الإستثمارات بشكل كبير الى هذا البلد، ومستوى التمثيل فيه، قد حدد قاعدة وضع حداً لإسرائيل والمجتمع الدولي، بأنّ السعودية لن تتهاون تجاه محاولات تقويض إستقرار سوريا، مقابل الإقرار الدولي المتصاعد لعدم قبول ما يجري في غزة، وهو ما دفع بكثير من القوى الغربية، إلى إعادة النظر في صمتها الكهفي تجاه التصعيد الإسرائيلي، وباتت لغة المطالبة بحل الدولتين، تعود بشكل أكثر وضوحاً وقوة، مدفوعة ليس فقط بالإعتبارات الأخلاقية، بل بالخشية من الإنفجار الكبير، الذي قد يطيح بما تبقى من إستقرار إقليمي مضطرب، من هنا يمكن قراءة المؤتمر بشراكة سعودية_فرنسية لحل الدولتين، على أنه محاولة سياسية لإعادة ترسيم خريطة المسار الفلسطيني، وإنقاذ حل الدولتين، فهو يستثمر في لحظة سياسية حساسة، مستنداً إلى ما تبقَّى من توافق دولي حول صيغة الحل، ولردم الهوة بين الواقع الميداني والطموحات السياسية.
إقرأ أيضا: الخلاف الراسخ مع حزب الله: بين القداسة وازدواجية المشروع
كما يشكّل إنعقاد مؤتمر حل الدولتين وفي مقر الأمم المتحدة، بمبادرة سعودية_فرنسية مشتركة، تطوراً ديبلوماسياً بالغ الأهمية، في ظل تعطيل الأفق السياسي في النزاع وتصاعد العنف الميداني، وتآكل الثقة بأي حل في الأوساط الدولية، إذ تعتبر المبادرة نجاحاً مضافاً للديبلوماسية السعودية، وتأكيداً على تمسك المملكة بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس، كشرط أساسي من دون تنازل عنه في أية عملية تطبيع، خلافاً لما تروج له حملات الدعاية الصهيونية، بعد شهور من تجاهل المجتمع الدولي المجازر والإعتداءات الإسرائيلية المتواصلة في غزة والضفة، وغياب أي أفق لحل سياسي، وكذلك ضمن طابع دولي لإحياء حل الدولتين، وهو ما يمنح الفلسطينيين غطاءً سياسياً يُعيد التوازن إلى طاولة التفاوض، ويشكّل ضغطاً معنوياً على إسرائيل لتغيير سلوكها التوسُّعي والعدواني.

